وروح الأحاديث تلهم أن القصد هو التيقن من دخول الشهر ونهايته. وأن رؤية واحد من المسلمين في مكان تكفي لصيام المسلمين وإفطارهم في مكان آخر وبخاصة إذا كان المكانان متساويين أو متقاربين في المطالع. وأنه ليس من الضروري أن تثبت الرؤية في كل بلد لحدته. ولقد روى الخمسة إلّا البخاري عن كريب حديثا جاء فيه: «إنّ أمّ الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام وقضيت حاجتها واستهلّ عليّ رمضان وأنا في الشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت إلى المدينة آخر الشهر فسألني ابن عباس متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة. قال: أنت رأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية.
فقال: ولكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت:
أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم». .
ويتبادر لنا أن هذا اجتهاد من ابن عباس قائم على احتمال الظن أن يكون مطلع القمر في الشام غير مطلعه في المدينة، وليس في الأحاديث النبوية المروية ما يدعمه بصراحة، وليس من شأنه أن ينقض الحكم المستلهم من الأحاديث التي أوردناها. وقد يكون عدم رؤيتهم الهلال في المدينة لسبب سحاب أو عجز عن الرؤية، وما دام أن من الثابت اليقيني اليوم أنه ليس فرق كبير في المطالع بين البلاد العربية في آسيا وأفريقيا بل وبين البلاد الإسلامية الآسيوية الإفريقية والأوروبية القريبة منها وأن الفرق لا يعدو أن يكون ساعة أو ساعتين بحيث يكون الشهر في اليوم التالي مؤكد الدخول في جميع هذه البلاد فإن ثبوت رؤية القمر في بلد منها كاف لبدء الصيام وانتهائه في البلاد الأخرى. وهذا صار يمكن العلم به في دقائق معدودة بحيث يكون خبر أول بلد يرى فيها القمر يؤخذ به في البلاد الأخرى صوما وانتهاء، بل وإنه لمن السائغ ما دام القصد الشرعي هو التثبت من دخول الشهر ونهايته أن يكون ذلك بناء على الحساب الفلكي الرياضي المستند إلى علم وثيق أو على رؤية الهلال بواسطة منظار المراصد الفلكية إذا تعذرت الرؤية العيانية المعتادة والله تعالى أعلم.