{والصابرين فِي البأساء والضراء} نصب على المدح بتقدير أخص أو أمدح وغير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته على سائر الأعمال حتى كأنه ليس من جنس الأول، ومجيء القطع فِي العطف مما أثبته الأئمة الأعلام ووقع فِي الكتاب أيضاً واستحسنه الأجلة وجعلوه أبلغ من الاتباع وقد جاء فِي النكرة أيضاً كقول الهذلي:
ويأوي إلى نسوة عطل ... وشعثا مراضيع مثل السعالى
انتهى انتهى {روح المعاني حـ 2 صـ 47}
قال الفخر:
أما قوله: {فِي البأساء} قال ابن عباس: يريد الفقر، وهو اسم من البؤس {والضراء} قال: يريد به المرض، وهما اسمان على فعلاء ولا أفعل لهما، لأنهما ليسا بنعتين {وَحِينَ البأس} قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد القتال فِي سبيل الله والجهاد، ومعنى البأس فِي اللغة الشدة يقال: لا بأس عليك فِي هذا، أي لا شدة {بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف: 165] شديد ثم تسمى الحرب بأساً لما فيها من الشدة والعذاب يسمى بأساً لشدته قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا} [غافر: 84] {فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا} [الأنبياء: 12] {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله} [غافر: 29] .
ثم قال تعالى: {أُولَئِكَ الذين صَدَقُوا} أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا فِي إيمانهم، وذكر الواحدي رحمه الله فِي آخر هذه الآية مسألة وهي أنه قال هذه الواوات فِي الأوصاف فِي هذه الآية للجمع، فمن شرائط البر وتمام شرط البار أن تجتمع فيه هذه الأوصاف، ومن قام به واحد منها لم يستحق الوصف بالبر، فلا ينبغي أن يظن الإنسان أن الموفي بعهده من جملة من قام بالبر وكذا الصابر فِي البأساء بل لا يكون قائماً بالبر، إلا عند استجماع هذه الخصال، ولذلك قال بعضهم: هذه الصفة خاصة للأنبياء عليهم السلام، لأن غيرهم لا تجتمع فيه هذه الأوصاف كلها، وقال آخرون: هذه عامة فِي جميع المؤمنين، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 5 صـ 39}