من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها الوعيد فِي القرآن جبراً لضعف أصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل فِي بيان النفقات والصدقات بداراً عن حب أو ائتماراً عن خوف. الركن الآخر الحج وهو حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم فِي خاتم منيتهم ومشارفة وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم ، فكمل به بناء الدين وذلك فِي أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة ، وأول خطابه {ولله على الناس حج البيت} [آل عمران: 97] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام {وأذن فِي الناس بالحج يأتوك رجالاً} [الحج: 27] إلى ما أنزل فِي أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي الجهاد ، ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما فِي المدينة ، ومن أول تصريح منزله {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] إلى قوله {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123] إلى قوله: {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب فِي قوله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] الآية إلى تمام المنزل فِي شأنه فِي قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} [الأنفال: 39] وهذا تمام حرف الأمر ؛ ولكل فِي ذلك الظاهر فِي الإسلام موقع حدوده فِي الإيمان وموقع فِي الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين كله ، ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام فِي هذا الحرف ، وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين. ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف الأمر: اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماماً يفرغ لقراءة حرف الأمر ، لأن المقتنع فِي معاش الدنيا يتيسر له التوسع فِي عمل الأخرى ، والمتوسع فِي متاع الدنيا لا يمكنه التوسع فِي عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد ، والذي تحصل به قراءة