ومن أدب فقهاء الإسلام مع كتاب الله، أنهم اصطلحوا في مصنفاتهم على عقد باب خاص بالاعتكاف ووضعه في الترتيب بعد الانتهاء من الباب الخاص بالصيام، تأسيا بهذه الآيات الكريمة التي ذكرت الاعتكاف في أعقاب الآيات المتعلقة بالصيام.
أما طريقة كسب المال الحلال، فتنحصر في كسبه بالحق لا بالباطل، أي عن طريق الكسب المشروع الذي ارتضاه الشارع وأقرته حكمة التشريع، مقابل منفعة محققة يجنيها كلا الطرفين، على أن يتم ذلك عن طيب نفس، لا عن إكراه أو اضطرار أو إحراج، وكل كسب لم تتوفر فيه هذه الشروط وما ناسبها فهو كسب حرام، وذلك قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} أي لا يأكل بعضكم مال بعض دون سبب مشروع، والتعبير هنا بكلمة (أموالكم) جاء على غرار التعبير الوارد في قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} وقوله تعالى في سورة النور: {فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ} بمعنى: لا يقتل بعضكم بعضا، وليسلم بعضكم على بعض.
وهذا التعبير القرآني إنما جاء متشابها في هذه الآيات الكريمة كلها حكمة ومغزى، وكأنه يلفت نظر المسلمين إلى ما يجب
أن يكونوا عليه من الامتزاج والاندماج فيما بينهم، حتى يكونوا أسرة واحدة، بل ذاتا واحدة.
فمن أكل مال أخيه المسلم بالباطل فقد أكل مال نفسه في حقيقة الأمر، ومن اعتدى على أخيه المسلم بالقتل فقد اعتدى على نفسه قبل الغير، كما أن من سلم على أخيه المسلم فقد سلم في الحقيقة على نفسه، لأن المجتمع الإسلامي لا يكون (إسلاميا) إلا إذا كان مجتمعا قائما على التضامن والتكافل والتعاون والتآخي التام، بحيث لا يسيء أي فرد من أفراده إلى الباقين.
أما إذا أساء المسلم إلى إخوانه، واعتدى على حقوقهم، وألحق الأذى بمصالحهم، فإنه يفتح الباب على مصراعيه-بحكم التقليد والعدوى وغريزة الانتقام-ليسيئوا بدورهم إليه، وليعتدوا على حقوقه، وليلحقوا أكبر الأذى بمصالحه، جزءا وفاقا، وهكذا يصدق عليه المثل العربي الشهير:"على نفسها جنت براقش".