ورابع هذه الأدلة: {مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} والسماء هنا: السحاب، والآية تشير إلى حجة عظيمة، تتجلى فيها الرحمة والشفقة بالعباد أو يتجدد فيها التعهد بالفضل والنعمة، كلما احتاجت الكائنات الحية إلى الماء: أصل الحياة وينبوعها. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} .
فبينما نرى السماء صافية الأديم، إذا رحمة حانية من الخالق الكريم الحكيم، تبعث الرياح، فتثير سحابًا كونته قدرته تعالى من بخار المياه، فيبسُطه برحمته فوق أرجاء مختلفة من الأرض، ويوزعه بعدالته بين عباده الذين يعيشون على رحماته، وينزل مياهه - بحكيم تدبيره - على الروابي والبطاح والسهول والجبال، فتتخذ سبيلها إلى خزانات وأغوار فوق سطح الأرض أو تحت سطحها.
فأَمَّا مياه الخزانات العلوية، فتتخذ سبيلها في أنهار وغدران، إلى أطراف البلاد. وأما مياه الخزانات السفلية. فتتفجر ينابيع، تجرب بالعذب الزلال، ويظل هذا الفضل ممدودًا، وتلك الرحمة مرسلة، ينهل منها من يشاء، ويغرس ويزرع على سلسبيلها من أراد أن ينشئَ: {جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} يتغذى بأرزاقها، ويتفكه بفواكهها وثمارها، ويطعم منها دوابه المختلفة.
ولم تنس هذه العناية الرحيمة دواب الصحراء الشاردة، فقد أنبتت لهم في واحاتها المراعي المخضرة، دون أن يزرعها الزارعون، وأخرجت لهم المياه العذبة، دون أن يستنبطها المستنبطون. فمن الذي صنع هذا الجميل، وتعهد به عباده؟ إنه إله واحد عليم، رحمن رحيم!!
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى} .
{وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ} .
{فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} .