وهذا الحكم عام يصدق على علماء المسلمين الذين يعرضون عن السنن، ويظهرون البدع كما يصدق على غيرهم، فسنة الله مطردة في تأييد أنصار الحق، وخذلان أهل الباطل. {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ} بكلام لطف ورحمة {يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ؛ أي: إن الله تعالى يعرض عنهم ويغضب عليهم، وقد جرت عادة الملوك إذا غضبوا .. أعرضوا عن المغضوب عليهم، ولم يكلموهم، كما أنّهم حين الرضا يلاطفون من يرضون عنه، ويقابلونه بالبشاشة والبشر.
{وَلَا يُزَكِّيهِمْ} ؛ أي: ولا يطهرهم من دنس الذنوب بالمغفرة، والصفح عنهم إذا ماتوا وهم مصرون على كفرهم وكتمانهم {وَلَهُمْ} ؛ أي: ولهؤلاء الكاتمين {عَذَابٌ أَلِيمٌ} ؛ أي: شديد الألم والإيجاع، يخلص ألمه إلى قلوبهم.
175 - {أُولَئِكَ} الكاتمون الذين جزاؤهم ما تقدم، هم {الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ} ؛ أي: أخذوها واختاروها لأنفسهم في الدنيا {بِالْهُدَى} ؛ أي: بدل الهدى {و} اختاروا {العذاب} في الآخرة الذي سببه كتمان الحق؛ للأغراض الدنيوية {بِالْمَغْفِرَةِ} ؛ أي: بدل المغفرة والجنة التي سببها إظهار ما أنزل الله تعالى، والمعنى: إنهم اختاروا الضلالة على الهدى، واختاروا العذاب على المغفرة؛ لأنهم كانوا عالمين بالحق، ولكن كتموه، وأخفوه، وكان في إظهاره الهدى والمغفرة، وفي كتمانه الضلالة والعذاب، فلما أقدموا على إخفاء الحق وكتمانه .. كانوا بائعين الهدى بالضلالة، والمغفرة بالعذاب.