{يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172] وهو ما طيبه حرف النهي علماً ، وبرئ من حوادّ القلوب طمأنينة ، وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات} [المؤمنون: 51] وورد جواباً لسؤالهم فِي قوله تعالى {يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع الأحسن وصح هداه وصفا لبّه ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسّى وحرم هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ثم قال فيما به تحصل قراءته: اعلم أن الإنسان لما كان جامعاً كان بكل شيء منتفعاً أما فِي حال السعة فمع استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر فِي الفصل الأول أي حرف الحرام {هو الذي خلق لكم ما فِي الأرض جميعاً} [البقرة: 29] {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً} [الأنعام: 145] الآية: وأما فِي حال الضرورة فبغير استثناء البتة {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} [البقرة: 173] ؛ {فمن اضطر فِي مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3] ؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فمعرفة حكمة الله فِي المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه ، ليكون غذاء فِي سعة أو ضرورة وإداماً أو فاكهة أو دواء كذلك ؛ ومعرفة موازنة ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته ، أو اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته {قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل وإدراك الحس فِي مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون ، كان الصديق رضي الله تعالى عنه قد حرم الخمر على نفسه فِي الجاهلية ، وكان إذا أخذ عليه فِي ذلك يقول: والله لو أصبت