والوجه الثاني: أنه قصد أن يذكر ما جرت عليه العادة من أعداد أهل النجوى والمتخالين للشورى والمندوبون لذلك ليسوا بكل أحد وإنما هم طائفة مجتباة من أولي النهي والأحلام ورهط من أهل الرأي والتجارب، وأوّل عددهم اثنان فصاعداً إلى خمسة إلى ستة إلى ما اقتضته الحال، وحكم به الاستصواب.
ألا ترى إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف ترك الأمر شورى بين ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع فذكر عز وجل الثلاثة والخمسة وقال {وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ} فدلّ على الاثنين والأربعة، وقال: {وَلاَ أَكْثَرَ} فدلّ على ما يلي هذا العدد ويقاربه، وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال في خطبته الكبرى أخرجها الحارث ابن أبي أسامة رقى المنبر وقال: «يا أيها الناس ادنوا واسمعوا لمن خلفكم ثلاث مرات» فدنا الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض والتفتوا فلم يروا أحداً فقال: رجل منهم بعد الثالثة: لمن نسمع يا رسول الله الملائكة فقال: «لا إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم» وعلى ذلك فليسوا في مكان الإيمان هنا والشمائل بل في المكانة من ذلك فالله جلّ جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء.
{وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ}
أي: بمشيئة الملك المحيط علماً وقدرة.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف لا يضرّهم ذلك ولا يحزنهم إلا بإذن الله؟
أجيب: بأنهم كانوا يوهمون المؤمنين في نجواهم وتفاخرهم أنَّ غزاتهم غلبوا وأنّ أقاربهم قتلوا فقال تعالى: [[ليس الشَّيْطَآنَ] ] والحزن بذلك الموهم إلا بإذن الله تعالى أي: بمشيئته وهو أن يقضي الموت على أقاربهم والغلبة على الغزاة.
{يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}