وَنَحْنُ في هذه الحالة وغيرها، أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ أي: ونحن أقرب إليه منكم بعلمنا وبقدرتنا، حيث إنكم لا تعرفون حقيقة ما هو فيه من أهوال ولا تدركون عظيم ما فيه من كرب، ولا تقدرون على رفع شيء من قضائنا فيه وفي غيره.
وقوله: وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ استدراك للكلام السابق. أي: ونحن أقرب إلى هذا المحتضر منكم، ولكنكم لا تدركون ذلك لجهلكم بقدرتنا النافذة، وحكمتنا البالغة ..
فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ أي: فهلا إن كنتم غير عاجزين عن رد قضائنا في هذا المحتضر الحبيب إليكم، وغير مربوبين لنا، وخاضعين لسلطاننا .. يقال: دان السلطان الرعية، إذا ساسهم وأخضعهم لنفوذه.
هلا إن كنتم غير خاضعين لنا تَرْجِعُونَها أي: ترجعون الروح إلى صاحبها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في اعتقادكم بأن آلهتكم تستطيع الدفاع عنكم وفي اعتقادكم أنه لا بعث ولا حساب بعد الموت، وفي توهمكم أن هناك قوة سوى قوة الله - عز وجل - يمكنها أن تساعدكم عند الشدائد والمحن.
وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة، تقيم أوضح الأدلة وأكثرها تأثيرا في النفوس، على كمال قدرة الله - تعالى - وعلى نفاذ مشيئته وإرادته ...
فهي تتحدى البشر جميعا أن يعيدوا الروح إلى أحب الناس إليهم، وهم واقفون من حوله وقفة الحائر المستسلم. العاجز عن فعل أي شيء من شأنه أن يدفع عن هذا المحتضر ما فيه من كرب، أو أن يؤخر انتزاع روحه من جسده، ولو لزمن قليل ..
ثم تمضى السورة الكريمة بعد ذلك، في بيان مصير هذه الروح، التي توشك أن تستدبر الحياة الفانية، وتستقبل الحياة الباقية فتقول: فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ.
والروح: بمعنى الراحة والأمان والاطمئنان والريحان شجر طيب الرائحة.
أي: فأما إن كان صاحب هذه النفس التي فارقت الدنيا، من المقربين إلينا السابقين بالخيرات .. فله عندنا راحة لا تقاربها راحة، وله رحمة واسعة، وله طيب رائحة عند قبض روحه، وعند نزوله في قبره، وعند وقوفه بين أيدينا للحساب يوم الدين، وله جنات ينعم فيها بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.