ثم انتقلت الآيات إلى توبيخهم على أمر آخر، وهو غفلتهم عن قدرة الله - تعالى - ووحدانيته وهم يشاهدون آثار قدرته أمام أعينهم فقال - تعالى -: فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ. وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ. وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ، فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
ولو في الموضعين للتحضيض على التذكر والاعتبار، ولإبراز عجزهم في أوضح صورة، إذ إظهار عجزهم هو المقصود هنا بالحض ..
وقوله إِذا بَلَغَتِ ظرف متعلق بقوله تَرْجِعُونَها أي: تردونها، وقد قدم عليه لتهويله، والتشويق إلى الفعل المحضوض عليه، وهو إرجاع الروح إلى صاحبها.
والضمير في بَلَّغْتَ يعود إلى الروح، وهي وإن كانت لم تذكر إلا أنها مفهومه من الكلام.
والحلقوم: مجرى الطعام وأل فيه للعهد الجنسي.
وجملة: وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ حال من ضمير بَلَغَتِ، ومفعول تَنْظُرُونَ محذوف والتقدير: تنظرون وتبصرون صاحب الروح وهو في تلك الحالة العصيبة.
وجملة تَرْجِعُونَها ... جواب الشرطين في قوله: إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ وفي قوله: إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
وجملة وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ مستأنفة لتأكيد توبيخهم على جهالاتهم وعدم اعتبارهم حتى في أوضح المواقف التي تدل على قدرة خالقهم - عز وجل - .
والمعنى: إذا كنتم - أيها الجاحدون المكذبون - لم تعتبروا ولم تتعظوا بكل ما سقناه لكم من ترغيب وترهيب على لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم فهلا اعتبرتم واتعظتم وآمنتم بوحدانيتنا وقدرتنا .. حين ترون أعز وأحب إنسان إليكم، وقد بلغت روحه حلقومه، وأوشكت على أن تفارق جسده ...
وَأَنْتُمْ أيها المحيطون بهذا المحتضر العزيز عليكم حِينَئِذٍ أي: حين وصل الأمر به إلى تلك الحالة التي تنذر بقرب نهايته، أنتم تَنْظُرُونَ إلى ما يقاسيه من غمرات الموت، وتبصرون ما فيه من شدة وكرب، وتحرصون كل الحرص على إنجائه مما حل به ولكن حرصكم يذهب أدراج الرياح.