تضمنت هذه الآية الكريمة امتناناً عظيماً على خلقه بالماء الذي يشربونه ، وذلك أيضاً آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه ، والمعنى: أفرأيتم الماء الذين تشربون الذي لا غنى لكم عنه لحظة ولو أعدمناه لهلكتم جميعاً في أقرب وقت: {أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون} .
والجواب الذي لا جواب غيره هو أنت يا ربنا هو منزله من الزمن ، ونحن لا قدرة لنا على ذلك فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته شكراً لنعمة هذا الماء ، كما أشار له هنا بقوله: {فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ} جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: {فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ} [الحجر: 22] وقوله تعالى: {هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً} [الفرقان: 48 - 49] . وقوله تعالى: {وَأَسْقَيْنَاكُم مَّآءً فُرَاتاً} [المرسلات: 27] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله هنا: {لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً} أي لو نشاء جعله أجاجاً فعلنا ، ولكن جعلناه عذاباً فراتاً سائغاً شرابه ، وقد قدمنا في سورة الفرقان أنالماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين.