وإما لإن للأشقياء الدركات وللسعداء الدرجات وإما لأن زلزلة الساعة تزيل الأشياء عن مقارها فتنثر الكواكب وتسير الجبال في الجو يؤيده قوله {إذا رجت الأرض} أي حركت تحريكاً عنيفاً حتى ينهدم كل بناء عليها {وبست الجبال بساً} أي فتتت حتى تعود كالسويق أو سيقت من بس الغنم إذا ساقها {فكانت} أي صارت غباراً متفرقاً. ثم ذكر أحوال الناس يومئذ قائلاً {وكنتم} لفظ الماضي لتحقق الوقوع {أزواجاً} أي أصنافاً {ثلاثة} ثم فصلها فقال {فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة} وهو تعجب من شأنهم كقولك"زيد ما زيد"سموا بذلك لأنهم يؤتون صحائفهم بأيمانهم ، أو لأنهم آهل المنزلة السنية من قولهم"فلان مني باليمين"إذا وصفته بالرفعة عندك وذلك لتيمنهم بالميامن دون الشمائل وتبركهم بالسانح دون البارح ، ولعل اشتقاق اليمين من اليمن والشمال من الشؤم ، والسعداء ميامين على أنفسهم والأشقياء مشائيهم عليها. روي أهل الجنة يؤخذ بهم إلى جانب اليمين وأهل النار يؤخذ بهم في الشمال {والسابقون} عرف الخبر للمبالغة كقوله الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه من التوحيد والإخلاص والطاعة {هم السابقون} عرف الخبر للمبالغة كقوله"وشعري شعري"يريد والسابقون من عرف حالهم وبلغك وصفهم ، وعلى هذا يحسن الوقف {السابقون} {أولئك المقربون} إلى مقامات لا يكشف المقال عنها من الجمال والعارفون يقولون لهم إنهم أهل الله ، وفي لفظ السبق إشار إلى ذلك {في جنات النعيم} إخفاء حالهم وبيان محل إجسادهم أو هي الجنة الروحانية النورانية {ثلة من الأولين} أي جماعة كثيرة من لدن آدم إلى أول زمان نبينا صلى الله عليه وسلم.