قوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} ، فإنها تكررت نيفًا وثلاثين مرة، كل واحدة تتعلق ربما قبلها، ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كان عائدًا على شئ واحد لماذا زاد على ثلاثة؟ لأن التأكيد لا يزيد عليها، قاله ابن عبد السلام وغيره، وإن كان بعضها ليس بنعمة فذكر النعمة للتحذير نعمة، وقد سئل أي نعمة في قوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ؟ فأجاب بأجوبة أحسنها: النقلة من دار الهموم إلى دار السرور، وإراحة المؤمن من الكافر، والبار من الفاجر، فالتكرير -وهو أبلغ من التأكيد- وهو من محاسن الفصاحة، خلافًا لبعض من غلط.
وله فوائد منها: التقرير، وقد قيل: إن الكلام إذا تكرر تقرر، ومنها: التأكيد، ومنها: التنبيه، ومنها: إذا طال الكلام وحش؛ تناسى الأول، أعيد ثانيًا، نظرية له وتجديدًا لعهده، ومنها: التعظيم والتهويل، ومنه ما وقع فيه الفصل بين المكررين فيقع التكرير للطول، ومنه ما كان لتعدد المتعلق، بأن يكون المكرر ثانيًا متعلقًا بغير ما تعلق به الأول، وهذا القسم يسمى بالترديد (3) ، ومن مثاله ما وقع بسورة الرحمن.
وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعًا، تقريرًا للنعمة، وتأكيدًا للتذكير بها، على عادة العرب في الاتساع ثمانية منها: ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها، لأن من جملة الآلاء: رفع البلاء، وتأخير العقاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنيتن وأهلها، بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنيتن الأولين، أخذًا من قوله: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ} فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها؛ استحق هاتين الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة، أفاده شيخ الإسلام في متشابه القرآن.