ثم إن التأكيد مستحسن في لغة العرب، فلهذا وردت هذه التكريرات على جهة التأكيد، ولو كان ما أتى به مخالفا لأساليب العرب في كلامهم، لكان ذلك من أعظم المطاعن لهم، فلما سكتوا عن ذلك، دل على بطلان ما زعموه من الطعن بالتكرير.
(وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ(24)
فشبه السفن الجارية على ظهر البحر بالجبال، في كبرها وفخامة أمرها على جهة المبالغة في ذلك، وهكذا القول في جميع تصرفات التشبيه، فإنه لا ينفك عن إفادة البلاغة، وإلا لم يكن تشبيها، لأن إفادته للبلاغة هو مقصده الأعظم، وبابه الأوسع، ولهذا فإنك لا تكاد تجد تشبيها خاليا عن مقصود البلاغة على حال، وكلما كان الإغراق في التشبيه والإبعاد فيه وكونه متعذر الوقوع والحصول، كان أدخل في البلاغة، وأوقع فيها، وهذا نحو تشبيه نور الله تعالى بنور المصباح في المشكاة، سواء قلنا: إن المشبه هو نور الله تعالى كما هو الظاهر من الآية، أو هو نور الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فالمقصود هو البلاغة في ذلك.
(فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ(39)
فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد في القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌ) [سورة الرحمن: 74] وقوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌ) [سورة الرحمن: 39] وقوله تعالى: (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً) [سورة الجن: 5] وغير ذلك، فأما قوله: (يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) [سورة الرحمن: 33] فإنما ورد مقدّما ههنا على الإنس، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) [سورة الصافات: 158] حيث قالوا: الملائكة بنات الله، وكما قال الأرحبي:
وسخّر من جنّ الملائك سبعة ... قياما لديه يعملون بلا أجر