ثم أكد نفي علمهم الحق بذلك، فقال: {إِنْ يَتَّبِعُونَ} ؛ أي: ما يتبعون في ذلك {إِلَّا الظَّنَّ} الفاسد، وليس هذا تكرارًا مع ما سبق؛ لأنَّ الأول متصل بعبادتهم اللات والعزى ومناة، وهذا بعبادتهم الملائكة كما سبق بيانه.
{وَإِنَّ الظَّنَّ} أي: جنس الظن، كما يلوح به الإظهار في مقام الإضمار. {لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} من الإغناء. فإن الحق الذي هو عبارة عن حقيقة الشيء لا يدرك إدراكًا معتبرًا إلا بالعلم، والظن لا اعتداد به في شأن المعارف الحقية، وإنما يعتد به في العمليات، وما يؤدي إليها كمسائل علم أصول الفقه. وفيه ذم للظن، ودلالة على عدم إيمان المقلد. وقيل: الحق بمعنى العلم؛ أي: لا يقوم الظن مقام العلم. وقيل: الحق بمعنى العذاب؛ أي: إن ظنهم لا ينقذهم من العذاب.
والمعنى: أي إنَّ معرفة الشيء معرفة حقيقية يجب أن تكون عن يقين، لا عن ظن وتوهم، وأنتم لا تتبعون فيما تقولون في هذه التسمية إلا الظن والتوهم، وليس هذا من سبيل العلم في شيء. وقد جاء في الصحيح: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إيّاكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". ونحو الآية قوله تعالى: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) } .
والخلاصة: أن مثل هذا الاعتقاد إما أن يكون عن دليل عقلي، والعقل لا يركن إليه في مثل هذا، وإما عن وحي، ولم يصل إليهم شيء منه يخبرهم بما يقولون.