فالجواب: بلى، لكن معنى {من زكاها} أي: من عمل عملاً تزكو به نفسه، وليس المعنى من زكاها من أثنى عليها ومدحها بأنها عملت وعملت، بل المراد عمل عملاً تزكو به نفسه، فلا معارضة بين الآيتين، ولهذا نقول: من زكى نفسه بذكر ما عمل من الصالحات فإنه لم يزك نفسه. فمن زكى نفسه بمدحها فإنه لم يزكِّ نفسه، وفرق بينهما، فالتزكية التي يحمد عليها الإنسان أن يعمل الإنسان عملاً صالحاً تزكو به نفسه، والتزكية التي يذم عليها أن يدل بعمله على ربه ويمدح، وكأنه يمن على الله، يقول: صليت، وتصدقت، وصمت، وحججت، وجاهدت، وبريت والدي وما أشبه ذلك، فلا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه، وفي هذا رد على أولئك الصوفية الذين يدعون أنهم أئمة ويزكون أنفسهم، ويقولون: وصلنا إلى حد لا تلزمنا الطاعة،
وصلنا: إلى عالم الملكوت فليس علينا صلاة، ولا صدقة، ولا صيام، ولا يحرم علينا شيء، وهؤلاء منسلخون من الدين انسلاخاً تامًّا، ولذلك نقول: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم هم أبعد الناس عن الزكاة، لأنهم أعجبوا بأعمالهم، وأدلوا بها على الله - عز وجل - وجعلوا لأنفسهم منصباً لم يجعله الله تعالى لهم {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} كأنه يقول: لماذا تزكون أنفسكم؟ أتريدون أن تعلموا الله بما أنتم عليه؟ الجواب: لا، ولهذا قال: {هو أعلم بمن اتقى} يعني إن كنت متقٍ لله، فالله أعلم بك، ولا حاجة أن تقول لله: إني فعلت وفعلت، وفي هذا إشارة إلى أن النطق بالنية عند فعل العبادة قد يدخل في نوع من التزكية، فإذا أردت أن تتوضأ فلا تقل: اللهم إني نويت أن أتوضأ وبعض العلماء يقول: قلها سرًّا، بينك وبين نفسك، وعللوا هذا قالوا: من أجل أن يطابق اللسان القلب، فالقلب نوى، لكن قل باللسان: اللهم إني نويت أن أتوضأ، وأنت تصلي قل: اللهم نويت أن أصلي الظهر مثلاً أو العصر، وبعض
العلماء يقول هكذا، وهم علماء أجلاء من الفقهاء.