وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْقَوْلَ دَفَعَاتٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ أَيْنَ تَعْلَمُ أَنِّي لَوْ أَهْلَكْتُ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا أُعْبَدُ أَبَدًا، فَكَانَ هَذَا الذَّنْبُ الْمُتَقَدِّمُ.
وَأَمَّا الذَّنْبُ الْمُتَأَخِّرُ فَيَوْمَ حُنَيْنٍ، لَمَّا انْهَزَمَ النَّاسُ قَالَ لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَلِابْنِ عَمِّهِ أَبِي سُفْيَانِ:
(نَاوِلَانِي كَفًّا مِنْ حَصْبَاءِ الْوَادِي) فَنَاوَلَاهُ فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ وَرَمَى بِهِ فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَالَ: (شَاهَتِ الْوُجُوهُ. حم. لَا يُنْصَرُونَ) فَانْهَزَمَ الْقَوْمُ عَنْ آخِرِهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا امْتَلَأَتْ عَيْنَاهُ رَمْلًا وَحَصْبَاءَ.
ثُمَّ نَادَى فِي أَصْحَابِهِ فَرَجَعُوا فَقَالَ لَهُمْ عِنْدَ رُجُوعِهِمْ:] لَوْ لَمْ أَرْمِهِمْ لَمْ يَنْهَزِمُوا) [فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) [الأنفال: 17] فَكَانَ هَذَا هُوَ الذَّنْبُ الْمُتَأَخِّرُ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الرُّوذْبَارِيُّ: يَقُولُ لَوْ كَانَ لَكَ ذَنْبٌ قَدِيمٌ أَوْ حَدِيثٌ لَغَفَرْنَاهُ لَكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي الْجَنَّةِ.
وَقِيلَ: بِالنُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ.
وَقِيلَ: بِفَتْحِ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَخَيْبَرَ.
وَقِيلَ: بِخُضُوعِ مَنِ اسْتَكْبَرَ وَطَاعَةِ مَنْ تَجَبَّرَ.
(وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) أَيْ يُثَبِّتُكَ عَلَى الْهُدَى إِلَى أَنْ يَقْبِضَكَ إِلَيْهِ.
(وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً)
أَيْ غَالِبًا مَنِيعًا لَا يتبعه ذل.
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً(7)
وَقِيلَ: لَمَّا جَرَى صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ: أَيَظُنُّ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ إِذَا صَالَحَ أَهْلَ مَكَّةَ أَوْ فَتَحَهَا لَا يَبْقَى لَهُ عَدُوٌّ، فَأَيْنَ فَارِسُ وَالرُّومُ! فَبَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أن جنود السماوات وَالْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ فَارِسَ وَالرُّومِ.
وَقِيلَ: يَدْخُلُ فيه جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ) الْمَلَائِكَةُ.
وَجُنُودُ الْأَرْضِ الْمُؤْمِنُونَ.