ثُمَّ قَرَأَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: هنيئا مريئا يا وسول اللَّهِ، لَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكَ مَاذَا يَفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) حَتَّى بَلَغَ (فَوْزاً عَظِيماً) قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح.
وفية عن مجمع ابن جَارِيَةَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) فَقِيلَ: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) قَبْلَ الرِّسَالَةِ. (وَما تَأَخَّرَ) بَعْدَهَا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
وَنَحْوَهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، قَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ رَاجِعٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - إلى قوله -(تَوَّاباً) [النصر: 3 - 1] .
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) قَبْلَ الرِّسَالَةِ (وَما تَأَخَّرَ) إِلَى وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) مَا عَمِلْتَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُوحَى إِلَيْكَ.
(وَما تَأَخَّرَ) كُلُّ شَيْءٍ لَمْ تَعْمَلْهُ، وَقَالَهُ الْوَاحِدِيُّ.
وَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ فِي جَرَيَانِ الصَّغَائِرِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ فِي سُورَةِ (الْبَقَرَةِ) ، فَهَذَا قَوْلٌ.
وقيل:
(مَا تَقَدَّمَ) قَبْلَ الْفَتْحِ. (وَما تَأَخَّرَ) بَعْدَ الْفَتْحِ.
وَقِيلَ: (مَا تَقَدَّمَ) قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ. (وَما تَأَخَّرَ) بَعْدَهَا.
وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ) يَعْنِي مِنْ ذَنْبِ أَبَوَيْكَ آدَمَ وَحَوَّاءَ. (وَما تَأَخَّرَ) مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ.
وَقِيلَ: مِنْ ذَنْبِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ. (وَما تَأَخَّرَ) مِنْ ذُنُوبِ النَّبِيِّينَ.
وَقِيلَ: (مَا تَقَدَّمَ) مِنْ ذَنْبِ يَوْمِ بَدْرٍ. (وَما تَأَخَّرَ) مِنْ ذَنْبِ يَوْمِ حُنَيْنٍ.
وَذَلِكَ أَنَّ الذَّنْبَ الْمُتَقَدِّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، أَنَّهُ جَعَلَ يَدْعُو وَيَقُولُ:
(اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ أَبَدًا)