وفي سياق تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يعترض به المعترضون من كبراء قومه على اختياره ؛ واعتزازهم بالقيم الباطلة لعرض هذه الحياة الدنيا. تجيء حلقة من قصة موسى عليه السلام مع فرعون وملئه ، يذكر فيها اعتزاز فرعون بمثل ما يعتز به من يقولون: {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ! وتباهيه بما له من ملك ومن سلطان ، وتساؤله في فخر وخيلاء: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ أفلا تبصرون؟} .. وانتفاخه على موسى عبد الله ورسوله وهو مجرد من الجاه الأرضي والعرض الدنيوي: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين؟} .. واقتراحه الذي يشبه ما يقترحون: {فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} ..
وكأنما هي نسخة تكرر ، أو اسطوانة تعاد!
ثم يبين كيف استجابت لفرعون الجماهير المستخفة المخدوعة ؛ على الرغم من الخوارق التي عرضها عليهم موسى عليه السلام وعلى الرغم مما أصابهم من ابتلاءات ، واستغاثتهم بموسى ليدعو ربه فيكشف عنهم البلاء.
ثم كيف كانت العاقبة بعدما ألزمهم الله الحجة بالتبليغ: {فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين ، فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} ..
وها هم أولاء الآخرون لا يعتبرون ولا يتذكرون!
ومن خلال هذه الحلقة تتجلى وحدة الرسالة ، ووحدة المنهج ، ووحدة الطريق. كما تتبدى طبيعة الكبراء والطغاة في استقبال دعوة الحق ، واعتزازهم بالتافه الزهيد من عرض هذه الأرض ؛ وطبيعة الجماهير التي يستخفها الكبراء والطغاة على مدار القرون!
{ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه ، فقال: إني رسول رب العالمين. فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون} ..