وهي على هذا تتضمن معنى جليلا في صدد ما ناله النبي صلى الله عليه وسلم وقومه من كرامة وشرف بسبب الرسالة المحمدية سواء أكان تعبير وَلِقَوْمِكَ كناية عن العرب كما قال بعض المفسرين أم عن قبيلة قريش كما قال بعض آخر، وتعبير وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (44)
يتضمن تقرير كون قوم النبي صلى الله عليه وسلم قد حملوا من قبل الله تعالى واجبا عظيما مقابل ما نالوه من شرف وكرامة إزاء الدعوة ومبادئها وتعاليمها سواء في الاستجابة إليها والعمل بموجبها أم في القيام بعبء نشرها وبثّها والدفاع عنها. وفي هذا ما فيه كذلك من معنى جليل وواجب خطير، وتلقين مستمر المدى وتقرير لشأن العرب عامة أو قريش خاصة ومَسْئُوليتهم بين سائر الأمم الإسلامية، وحفز لهممهم وجهدهم وجهادهم، وسنزيد هذا الموضوع شرحا في تفسير الآية الأخيرة من سورة الحج إن شاء الله.
وفي سورتي البقرة والحج آيات تؤيد هذا التلقين والتقرير وهي هذه:
1 -وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... [البقرة/ 143] .
2 -وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ... [الحج/ 78] .
وتأييد آية سورة الحج بنوع خاص أقوى وأوكد لأن قصد العرب أو قريش فيها أصرح من حيث إنها ذكرتهم بأبوة إبراهيم لهم التي يعرفونها ويعترفون بها على ما تقدم ذكره قبل قليل.
وكلمة وَسَطاً تعني الخيار بين الناس لأن خير الأمور أوسطها، وكلمة شُهَداءَ تعني مراقبين وعدولا نتيجة لكونهم وسطاء.
ولقد أوّل بعض المفسرين كلمة وَلِقَوْمِكَ بأمتك وجعلوها شاملة لجميع المسلمين، ونحن ما زلنا نرجح المفهوم السابق لأن العرب وقريشا بخاصة
كانوا هم موضوع الكلام والخطاب والدعوة حين نزول الآية، ولأن تأييد آية سورة الحج بخاصة قوي بل حاسم.