ذلك التعظيم كالعبادة لها، والمشركون مع ذلك مُقرون أنَّ الله تعالى هو خالقهم ورازقهم، ويدل
عليه قوله تعالى: (لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) .
قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ(81)
في (إنْ) هاهنا وجهان:
أحدهما: أن يكون نفياً، كأنه قال: ما كان للرحمن ولد. ومثله قوله: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ) أي: في الذي ما مكناكم.
والوجه الثاني: أنها شرط، والتقدير: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ) على زعمكم فأنا أول العابدين.
وقيل في العابدين ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه من العبادة كأنه قال: فأنا أول من يعبده على أن لا ولد له؛ لأنَّ من جعل له ولدا؛ لم يعبده حق العبادة، هذا قول المبرد.
والثاني: أن"عابدين"هاهنا بمعنى"جاحدين"، والمعنى: أنه لا ولد له على الحقيقة.
وإذا كان كذلك وجب أن يُجحد ادعاء من ادعاه وينكر ولا يعتقد.
والثالث: أن معنى عابدين هاهنا بمعنى الآنفين، يقال عبدت من كذا أعبد عبدا، قال الشاعر:
أُلا هَزِئتْ أم الوَليدِ وَأصبحت ... لما أبصَرتْ في الرأسِ مني تَعبدُ
وقال الفرزدق:
أُولَئِكَ قومي إن هجَوني هَجَوتُهم ... وَأُعبدُ أنْ يُهجا كُليبَ بِدارِمِ
قال مجاهد المعنى: قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله في تكذيبكم، وقال عبد الرحمن
ابن زيد وقتادة المعنى: قل ما كان للرحمن ولد، وروي عن ابن عباس فيما روى السُّدِّي أن المعنى:
قل لو كان للرحمن ولد لكنت أول من عبده بأن له ولدا. ولكن لا ولد له.
والرحمن: اسمَ ممنوع، ومعنى ممنوع: أنه لا يُسمى به غير الله تعالى، وقيل: إنَّ الجاهلية لم تكن
تعرفه. فلمَّا نزل قالوا: لا نعرف هذا الاسم، وقيل: إنه لما نزل قالوا: لا نعرف (الرحمن) إلا هذا الذي باليمامة، وقد جاء في الشعر الجاهلي، قال الشاعر وهو"سلامة بن جندل":
عَجِلتم عَلينا حُجتينِ عليكُمُ ... وَمَا يشأ الرحمنُ يُعقَدِ ويُطلقِ