وإضافة مفازة إلى ضميرهم كناية عن شدة تلبسهم بالفوز حتى عُرف بهم كما يقال: فاز فوز فلان.
وقرأ الجمهور {بمفازتهم} بصيغة المفرد.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف {بمَفَازاتهم بصيغة الجمع وهي تجري على المعنيين في المفازة لأن المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه ، أو باعتبار تعدد أنواعه ، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف ، وعلى هذا فإضافة المفازة إلى ضمير الذين اتقوا} لتعريفها بهم ، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي الجنة ، وقد عُلم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى: {إن للمقتين مفازاً حدائق وأعناباً وكواعب أتراباً} [النبأ: 31 ، 33] .
(وجملة {لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون} مبيِّنة لجملة {وينجّي الله الذين اتقوا بمفازتهم} لأن نفي مسّ السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر المس السوء.
وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة أهل النار عنهم ، وأهل النار في مسَ من السوء متجددٍ.
وجيء في نفي الحزن عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضاً في حزن وغم ثابت لازم لهم.
ومن لطيف التعبير هذا التفنن ، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن الأكدار القلبية دوام الإحساس بها.
اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)
هذا استئناف ابتدائي تمهيد لقوله: {قُل أفغير الله تأمروني أعبُد} [الزمر: 64] في ذكر تمسك الرسول والرسللِ من قبله بالتوحيد ونبذِ الشرك والبراءةِ منه والتصلببِ في مقاومته والتصميممِ على قطع دابره ، وجُعلت الجمل الثلاث من قوله: الله خالق كل شيء إلى قوله: {السماوات والأرض} مقدمات تؤيد ما يجيء بعدها من قوله: {قُل أفغير الله تأمروني أعبُد} [الزمر: 64] .
وقد اشتمل هذا الاستئناف ومعطوفاته على ثلاث جمل وجملة رابعة: