ومنهم أرباب معاش يطففون المكيال ويخسرون الميزان ويبخسون الناس ويتعاملون بالربا وهم في الأسواق طول النهار لا همة لهم إلا ما هم فيه. فإذا جاء الليل وقعوا نياماً كالسكارى، فهمة أحدهم ما يأكل ويلتذ به، وليس عندهم من الصلاة خبر، فإن صلى أحدهم نقرها أو جمع بينهما، فهؤلاء في عداد البهائم.
ومن الناس ذو رذالة في جميع أحوالهم فهذا كالناس وهذا زبال وهذا نخال وهذا يكسح الحش فهؤلاء أرذل القوم.
ومنهم من يطلب اللذات ولا يساعده المعاش فيخرج إلى قطع الطريق، وهؤلاء أحمق الجماعة، إذ لا عيش لهم.
فإن التذوا لحظة بأكل أو شرب فحركت الريح قصبة هربوا خوفاً من السلطان وما أقل بقاءهم، ثم القتل والصلب مع إثم الآخرة.
ومنهم أرباب قرى قد عمهم الجهل، وأكثرهم لا يتحاشى من نجاسة، فهم في زمرة البقر.
ورأيت النساء ينقسمن أيضاً، فمنهن المستحسنة التي تبغي.
ومنهن الخائنة لزوجها في ماله.
ومنهن من لا تصلي ولا تعرف شيئاً من الدين، فهؤلاء حشو النار.
فإذ سمعن موعظة فإنها كما مرت على حجر.
وإذا قرئ عندهن القرآن فكأنهن يسمعن السمر.
وأما العلماء فالمبتدئون منهم ينقسمون إلى ذي نية خبيثة يقصد بالعلم المباهاة لا العمل، ويميل إلى الفسق ظناً أن العلم يدفع عنه، وإنما هو حجة عليه.
وأما المتوسطون والمشهورون، فأكثرهم يغشي السلاطين ويسكت عن إنكار المنكر.
وقليل من العلماء من تسلم له نيته ويحسن قصده.
فمن أراد الله به خيراً رزقه حسن القصد في طلب العلم، فهو يحصله لينتفع به وينفع، ولا يبالي بعمل مما يدله عليه العلم.
فتراه يتجافى أرباب الدنيا، ويحذر مخالطة العوام، ويقنع بالقليل خوفاً من المخاطرة في الدنيا في تحصيل الكثير.
ويؤثر العزلة فليس مذكراً للآخرة مثلها.
وليس على العالم أضر من الدخول على السلاطين فإنه يحسن للعالم الدنيا ويهون عليه المنكر.
وربما أراد أن ينكر فلا يصح له، فإن عدم القناعة وتقلبت نفسه في طلب فضول الدنيا فهيهات أن يسلم منها لأنه يتعرض بأربابها.
وإن الإنسان ليمشي في السوق ساعة، فينسى بما يرى، ما يعلم.
فكيف إذا انضم إلى ذلك التردد إلى الأغنياء والطمع في أموالهم.
فأما الوحدة فإنها سبب رجوع القلب وجمع الهم، والنظر في العواقب والتهيؤ للرحيل وتحصيل الزاد.
فإذا انضمت إليها القناعة جلبت الأحوال المستحسنة.
ولا تحسن اليوم المجالسة إلا لكتاب يحدثك عن أسرار السلف.