وَفِي الْجَهْلِ قَبْلَ الْمَوْتِ مَوْتٌ لِأَهْلِهِ ... فَأَجْسَامُهُمْ قَبْلَ الْقُبُورِ قُبُورُ
وَإِنْ امْرَأً لَمْ يَحْيَ بِالْعِلْمِ مَيِّتٌ ... فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النُّشُورِ نُشُورُ
وَوَقَفَ بَعْضُ الْمُتَعَلِّمِينَ بِبَابِ عَالِمٍ ثُمَّ نَادَى: تَصَدَّقُوا عَلَيْنَا بِمَا لَا يُتْعِبُ ضِرْسًا، وَلَا يُسْقِمُ نَفْسًا. فَأَخْرَجَ لَهُ طَعَامًا وَنَفَقَةً. فَقَالَ: فَاقَتِي إلَى كَلَامِكُمْ، أَشَدُّ مِنْ فَاقَتِي إلَى طَعَامِكُمْ، إنِّي طَالِبُ هُدًى لَا سَائِلُ نَدًى.
فَأَذِنَ لَهُ الْعَالِمُ، وَأَفَادَهُ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلَ عَنْهُ فَخَرَجَ جَذِلًا فَرِحًا، وَهُوَ يَقُولُ: عِلْمٌ أَوْضَحَ لَبْسًا، خَيْرٌ مِنْ مَالٍ أَغْنَى نَفْسًا. وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ الْعُلُومِ شَرِيفَةٌ، وَلِكُلِّ عِلْمٍ مِنْهَا فَضِيلَةٌ، وَالْإِحَاطَةُ بِجَمِيعِهَا مُحَالٌ.
قِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَنْ يَعْرِفُ كُلَّ الْعُلُومِ؟ فَقَالَ: كُلُّ النَّاسِ.
وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ لِلْعِلْمِ غَايَةً فَقَدْ بَخَسَهُ حَقَّهُ، وَوَضَعَهُ فِي غَيْرِ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا حَيْثُ يَقُولُ: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ لِنَبْلُغَ غَايَتَهُ كُنَّا قَدْ بَدَأْنَا الْعِلْمَ بِالنَّقِيصَةِ، وَلَكِنَّا نَطْلُبُهُ لِنَنْقُصَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْجَهْلِ وَنَزْدَادَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ الْعِلْمِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمُتَعَمِّقُ فِي الْعِلْمِ كَالسَّابِحِ فِي الْبَحْرِ لَيْسَ يَرَى أَرْضًا، وَلَا يَعْرِف طُولًا وَلَا عَرْضًا.
وَقِيلَ لِحَمَّادٍ الرَّاوِيَةِ: أَمَا تَشْبَعُ مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ؟ فَقَالَ: اسْتَفْرَغْنَا فِيهَا الْمَجْهُودَ، فَلَمْ نَبْلُغْ مِنْهَا الْمَحْدُودَ، فَنَحْنُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
إذَا قَطَعْنَا عِلْمًا بَدَا عِلْمُ
وَأَنْشَدَ الرَّشِيدُ عَنْ الْمَهْدِيِّ بَيْتَيْنِ وَقَالَ أَظُنُّهُمَا لَهُ:
يَا نَفْسُ خُوضِي بِحَارَ الْعِلْمِ أَوْ غُوصِي ... فَالنَّاسُ مَا بَيْنَ مَعْمُومٍ وَمَخْصُوصِ