فَحُذِفَ لَدَفَعْنَاهُ وَهُوَ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ إِذْ كَانَ مَفْهُومًا عِنْدَ السَّامِعِ مُرَادُهُ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ: {أَمَّنْ} بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، بِمَعْنَى: أَمْ مَنْ هُوَ؟ وَيَقُولُونَ: إِنَّمَا هِيَ {أَمَّنْ} اسْتِفْهَامٌ اعْتَرَضَ فِي الْكَلَامِ بَعْدَ كَلَامٍ قَدْ مَضَى، فَجَاءَ بِأَمْ؛ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الِاسْتِفْهَامِ مَتْرُوكًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ جَرَى الْخَبَرُ عَنْ فَرِيقِ الْكُفْرِ، وَمَا أُعِدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ أُتْبِعَ الْخَبَرُ عَنْ فَرِيقِ الْإِيمَانِ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ الْمُرَادُ، فَاسْتَغْنَى بِمِعْرِفَةِ السَّامِعِ بِمَعْنَاهُ مِنْ ذَكَرِهِ، إِذْ كَانَ مَعْقُولًا أَنَّ مَعْنَاهُ: هَذَا أَفْضَلُ أَمْ هَذَا؟ وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ مَعَ صِحَّةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي التَّأْوِيلِ وَالْإِعْرَابِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ. وَقَدْ ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ،
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا فِيمَا مَضَى قَبْلَ فِي مَعْنَى الْقَانِتِ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
غَيْرَ أَنَا نَذْكُرُ بَعْضَ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ فِي الْكِتَابِ اتِّفَاقَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ قِرَاءَةُ الْقَارِئِ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ.
عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ، قَالَ:"لَا أَعْلَمُ الْقُنُوتَ إِلَّا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ وَطُولَ الْقِيَامِ، وَقَرَأَ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا} "
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الطَّاعَةُ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ} "يَعْنِي بِالْقُنُوتِ: الطَّاعَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ": {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ} ... إِلَى {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قَالَ: «مُطِيعُونَ»
وَقَوْلُهُ: {آنَاءَ اللَّيْلِ}
يَعْنِي: سَاعَاتَ اللَّيْلِ.
عَنْ قَتَادَةَ: {آنَاءَ اللَّيْلِ} «أَوَّلُهُ، وَأَوْسَطُهُ، وَآخِرُهُ»