وَلِـ «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {نَسِيَ مَا كَانَ} وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الَّذِي، وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: تَرَكَ الَّذِي كَانَ يَدْعُوهُ فِي حَالِ الضُّرِّ الَّذِي كَانَ بِهِ، يَعْنِي بِهِ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَتَكُونُ «مَا» مَوْضُوعَةً عِنْدَ ذَلِكَ مَوْضِعَ «مِنْ» كَمَا قِيلَ: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ}
يَعْنِي بِهِ اللَّهَ، وَكَمَا قِيلَ: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ عَلَى مَا ذَكَرْتُ وَإِذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَانَ فِي الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {إِلَيْهِ} وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذِكْرِ مَا وَالْآخَرُ: مِنْ ذِكْرِ الرَّبِّ
وَقَوْلُهُ: {وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا}
يَقُولُ: وَجَعَلَ لِلَّهِ أَمْثَالًا وَأَشْبَاهًا
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي جَعَلُوهَا فِيهِ لَهُ أَنْدَادًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلُوهَا لَهُ أَنْدَادًا فِي طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي مَعَاصِي اللَّهِ
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ أَنَّهُ عَبَدَ الْأَوْثَانَ، فَجَعَلَهَا لِلَّهِ أَنْدَادًا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ أَنَّهُ أَطَاعَ الشَّيْطَانَ فِي عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَجَعَلَ لَهُ الْأَوْثَانَ أَنْدَادًا، لِأَنَّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ عَتَّابِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ لَهُ عَلَى عِبَادَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: {لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ}
يَقُولُ: لِيُزِيلَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُوَحِّدَ اللَّهَ وَيُؤْمَنَ بِهِ عَنْ تَوْحِيدِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِهِ، وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ
وَقَوْلُهُ: {قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِفَاعِلِ ذَلِكَ: تَمَتَّعَ بِكُفْرِكَ بِاللَّهِ قَلِيلًا إِلَى أَنْ تَسْتَوْفِي أَجَلَكَ، فَتَأْتِيكَ مَنِيَّتُكَ {إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} : أَيْ إِنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ الْمَاكِثِينَ فِيهَا.
وَقَوْلُهُ: {تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ} وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَتَهَدُّدٌ.