أي: هذا الكتاب هو تنزيل من عند الله - تعالى - الغالب على كل شيء. والحكيم في أقواله وأفعاله. وقد أنزله - سبحانه - عليك - يا محمد - تنزيلا ملتبسا بالحق الذي لا يحوم حوله باطل، أو ما يشبه الباطل، وذلك يوجب قبوله والعمل بكل ما فيه.
قال الآلوسي: قوله - تعالى -: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ بيان لكونه نازلا بالحق، وتوطئة لما يذكر بعد ... أو شروع في بيان المنزل إليه، وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل ... والباء متعلقة بالإنزال، وهي للسببية، أي: أنزلناه بسبب الحق. أي: إثباته وإظهاره. أو بمحذوف وقع حالا من المفعول وهي للملابسة. أي: أنزلناه ملتبسا بالحق والصواب.
والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتما.
والفاء في قوله - تعالى -: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ لترتيب ما بعدها على ما قبلها. والعبادة: أقصى درجات التذلل والخضوع للمعبود - عز وجل - والإخلاص معناه: أن يقصد المسلم بعبادته وقوله وعمله وجه الله - تعالى - .
أي: أنزلنا إليك - أيها الرسول الكريم - هذا الكتاب بالحق الذي لا يشوبه باطل، وما دام الأمر كذلك فعليك أن تخلص لربك عبادتك وطاعتك ودينك إخلاصا تاما، لا يحوم حوله
رياء أو تفاخر، أو غير ذلك مما يتنافى مع إخلاص الخضوع لله - تعالى - وحده.
قال الشوكاني: وفي الآية دليل على وجوب النية، وإخلاصها من الشوائب لأن الإخلاص من الأمور القلبية التي لا تكون إلا بأعمال القلب، وقد جاءت السنة الصحيحة أن ملاك الأمر في الأقوال والأفعال النية، كما في حديث: «إنما الأعمال بالنيات» وحديث: «لا قول ولا عمل إلا بنية» .
وجملة أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ مؤكدة ومقررة لمضمون ما قبلها من وجوب إفراد العبادة والطاعة لله - تعالى -: وزادها تأكيدا وتقريرا لما قبلها تصديرها بأداة الاستفتاح أَلا واشتمالها على أسلوب القصر.
أي: ألا إن لله - تعالى - وحده - وليس لأحد سواه - الدين الخالص من شوائب الشرك والرياء. والعبادة لوجهه وحده، والخضوع لقدرته التي لا يعجزها شيء.