أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا؛ لما أنبأهم وأخبرهم بأخبار عرفوا أن الساحر والشاعر لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر اللَّه إياه والظفر له عليهم - أعني: على الأعداء - فكان على ما أنبأهم بأنباء وأخبار عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - لكنهم عاندوا وكابروا؛ وكذلك بين لهم أيضًا ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة، حيث ابتلاهم بأهوال وأفزاع بركوب البحار والتضييق عليهم حتى فزعوا إلى اللَّه في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) ، ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه، وإنما المالك لذلك هو اللَّه المعبود الحق.
ثم تناقض قولهم؛ لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم: (أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) ، فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقضٌ ظاهر.
قَالَ بَعْضُهُمْ في قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) . أي: مقربة فيشفعون لنا إلى اللَّه تعالى.
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) .
قال أبو بكر: لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.