{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] .
وورد أن الحق سبحانه يقول لملائكته: أعلمتم أن عبيدي أطاعوني؟ فيقولون: أطاعوك لنعمتك عليهم، فقال: ولو سلبتُ نعمتي لأطاعوني.
لذلك يُمرضهم ويطيعونه، ويُفقرهم ويطيعونه، ويهزمهم ويطيعونه، وينصرهم ويطيعونه. إذن: عبادي يطيعونني لذاتي؛ لأني أستحق أنْ أُحبّ، وأنْ أُطاع بصرف النظر عن نعمي عليهم.
لذلك يقول الحق سبحانه عتاباً للخَلْق الذين يعبدونه خوفاً من ناره، أو طمعاً في جنته: أو لو لم أخلق جنة وناراً أما كنتُ أهلاً لأنْ أُعبد؟
وضربنا مثلاً بالرجل الذي يعمل معه خادم يخدمه مقابل مائة جنيه في الشهر، لكن ضاقتْ حالُ هذا الرجل وأصبحتْ لا تتسع لهذا المبلغ، فقال لخادمه: والله أنا لم أَعُدْ قادراً على دفع هذا المبلغ، ولا أقدر إلا على خمسين جنيهاً، فانظر أنت في أمرك أو ابحث لك عن فرصة عمل أخرى، فقال الخادم: أنا موافق على الخمسين، لكن اشتدتْ الحالُ بالرجل مرة أخرى، حتى أنه لم يَعُدْ قادراً على دَفْع أكثر من عشرين جنيهاً، فرضى بها خادمه ثم عشرة فرضى بها، إلى أنْ قال له: والله حالك معي جعلك تستحق أنْ تُخدم، ولو بلا أجر، هكذا أَمْر الله معنا.
فالحق سبحانه لا يرضى لعباده الكفر لأنهم خَلْقه وصَنْعته، وهو سبحانه حريص على ما يُصلحهم، حريص على أنْ يكونوا مؤمنين لتستقيم أمورهم، وتمتد نِعَمه عليهم من الدنيا إلى الآخرة، فكما أنعم عليهم في الدنيا بِنعم موقوتة يريد أنْ يُنعم عليهم في الآخرة ونِعَم الآخرة باقية خالدة.
لذلك ورد في الحديث القدسي:"قالت الأرض: يا رب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم، فقد طِعَم خيرَكَ، ومنع شكرك، وقالت السماءُ: يا ربّ ائذن لي أنْ أسقط كِسَفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك إلى أنْ قال الحق سبحانه لهذه المخلوقات التي أظهرت غيرتها على ربها عز وجل: دَعُوني وخَلْقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم".
{وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] فإن تشكروا يرضى لكم الشكر، ويعجبه منكم، ويحبه لكم، ويجزيكم عليه خيراً، وإنما رضي لهم سبحانه الشكر لأنه سبب سعادتهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه:
{لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..}