3 -نلاحظ أن قصة أيوب عليه السلام ورد فيها قوله تعالى: وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ، ونلاحظ أنه في وسط قصة داود وسليمان عليهما السلام ورد قوله تعالى في القرآن وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ مما يشير إلى أن المقطع كله بيان لكون القرآن ذكرا، وعلى هذا فهو يعرض في سياقه نماذج تؤكّد أنه ذكر. وصلة ذلك بقوله تعالى: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ واضحة. إنّ في تبيان أن القرآن ذكر، وإقامة الدليل على ذلك في سياق السورة التي تتحدّث عن عدم استفادة الكافرين من الإنذار دليلا على أن العلة في الكافرين، والحجة قائمة عليهم، وسيتّضح هذا في الأمرين القادمين الآتيين بصيغة (واذكر) :
وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي. قال ابن عباس:
أي: أولي القوة وَالْأَبْصارِ أي: الفقه في الدين. قال ابن كثير: (يعني بذلك العمل الصالح، والعلم النافع، والقوة في العبادة، والبصيرة النافذة) . قال النسفي:
أي: (أولي الأعمال الظاهرة، والفكر الباطنة)
إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ أي جعلناهم لنا خالصين بِخالِصَةٍ أي: بخصلة صالحة، لا شوب فيها ذِكْرَى الدَّارِ أي:
هي ذكر الدار، أو يعني ذكر الدار الآخرة. قال النسفي: (يعني: جعلناهم لنا خالصين بأن جعلناهم يذكّرون النّاس الدار الآخرة، ويزهّدونهم في الدنيا، أو معناه: أنّهم يكثرون ذكر الآخرة، والرّجوع إلى الله، وينسون ذكر الدنيا) . قال مجاهد: أي: جعلناهم
يعملون للآخرة ليس لهم همّ غيرها
وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ أي: المختارين من بين أبناء جنسهم الْأَخْيارِ جمع خيّر. قال ابن كثير: (أي المختارين المجتبين الأخيار، فهم أخيار مختارون.
كلمة في السياق:
يلاحظ أنه سبحانه وتعالى قال عن داود عليه السلام: وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ وهاهنا قال عن إبراهيم وإسحاق ويعقوب: أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ وفي ذلك درس للنذير وأمته. وفي قوله تعالى: إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ تبيان لطريق السير إلى أن يكون الإنسان من المخلصين. وفي ذلك درس ثان للنذير وأمته.