وفي الأمر بذكر الرّسل عليهم الصّلاة والسّلام إشعار بأن لله رسلا قبل محمد صلّى الله عليه وسلم قد بعثوا بالتوحيد والإنذار، فليس محمد صلّى الله عليه وسلم ببدع من الرسل، فعجب الكافرين الذي ذكره الله عزّ وجل لنا في أوّل السورة في غير محله. وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ يدلّنا على هذا الآية الآتية، إذ ليس فيها إلا الأمر بذكر مجموعة من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وهو خليفة إلياس في قومه بني إسرائيل وَذَا الْكِفْلِ نقل الألوسي عن وهب بن منبه: (أن الله بعث بعد أيوب عليه السلام شرف بن أيوب نبيا وسمّاه ذا الكفل) والاختلاف في شأن ذي الكفل عليه السلام كثير وَكُلٌّ أي: وكلهم مِنَ الْأَخْيارِ.
كلمة في السياق:
1 -بالآية الأخيرة تنتهي الأوامر بصيغة وَاذْكُرْ الآتية في هذا المقطع وفي السورة، ويأتي بعد هذا مباشرة - كما سنرى - قوله تعالى: هذا ذِكْرٌ قال ابن كثير: (أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكّر وقال السدي: يعني: القرآن العظيم) .
ممّا يدلّ على ما ذكرناه من قبل أن في هذا المقطع نموذجا على كون هذا القرآن ذكرا يذكّر بالله عزّ وجل، وصفاته وأفعاله، وإنعامه واختباره، وعطائه وشرعه وسنته وغير ذلك. وكون القرآن على مثل هذا الكمال في الذكر فذلك وحده دليل على أنّه من عند الله، وإلا فمن من البشر قادر على أن يأتي بكتاب فيه كل شيء، وهو ذكر كله؟ وفي
هذا إقامة حجّة على الكافرين الذين لا يستفيدون من الإنذار إذ لم يبق لهم ما يتعلّقون به بعد هذا القرآن، ولئن كان المقطع أدى دوره في هذا الموضوع فهو يؤدي دوره كذلك في تعليم النّذير وأمّته ما ينبغي أن يكونوا عليه من الكمال، غير ملتفتين إلى أقوال الكافرين ومواقفهم.