ثم كرر سبحانه تقريعهم ، وتوبيخهم ، فقال: {أَصْطَفَى البنات على البنين} قرأ الجمهور بفتح الهمزة على أنها للاستفهام الإنكاري ، وقد حذف معها همزة الوصل استغناء به عنها.
وقرأ نافع في رواية عنه ، وأبو جعفر ، وشيبة ، والأعمش بهمزة وصل تثبت ابتداء ، وتسقط درجاً ، ويكون الاستفهام منوياً قاله الفراء.
وحذف حرفه للعلم به من المقام ، أو على أن اصطفى ، وما بعده بدل من الجملة المحكية بالقول.
وعلى تقدير عدم الاستفهام ، والبدل.
فقد حكى جماعة من المحققين منهم الفراء: أن التوبيخ يكون باستفهام ، وبغير استفهام كما في قوله: {أَذْهَبْتُمْ طيباتكم فِى حياتكم الدنيا} [الأحقاف: 20] ، وقيل: هو على إضمار القول {مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} جملتان استفهاميتان ليس لأحدهما تعلق بالأخرى من حيث الإعراب: استفهمهم أوّلاً عما استقرّ لهم ، وثبت استفهام بإنكار ، وثانياً استفهام تعجب من هذا الحكم الذي حكموا به ، والمعنى: أيّ شيء ثبت لكم كيف تحكمون لله بالبنات ، وهم: القسم الذي تكرهونه ، ولكم بالبنين ، وهم: القسم الذي تحبونه {أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ} أي: تتذكرون ، فحذفت إحدى التاءين ، والمعنى: ألا تعتبرون ، وتتفكرون ، فتتذكرون بطلان قولكم {أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ} أي: حجة واضحة ظاهرة على هذا الذي تقولونه ، وهو إضراب عن توبيخ إلى توبيخ ، وانتقال من تقريع إلى تقريع.
{فَأْتُواْ بكتابكم إِن كُنتُمْ صادقين} أي: فأتوا بحجتكم الواضحة على هذا إن كنتم صادقين فيما تقولونه ، أو فأتوا بالكتاب الذي ينطق لكم بالحجة ، ويشتمل عليها.
{وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً} قال أكثر المفسرين: إن المراد بالجنة هنا: الملائكة ، قيل لهم: جنة ، لأنهم لا يرون.
وقال مجاهد: هم بطن من بطون الملائكة يقال لهم: الجنة.
وقال أبو مالك: إنما قيل لهم ؛ الجنة ؛ لأنهم خزّان على الجنان.
والنسب الصهر.