وَأَرْسَلْناهُ بعد ذلك إلى قوم هم أهل نينوى من أرض الموصل. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ في مرأى الناظر، إذا نظر إليهم قال: هم مائة ألف أو أكثر، والمراد: الوصف بالكثرة.
فَآمَنُوا عند معاينة أمارات العذاب الموعودين به. فَمَتَّعْناهُمْ أبقيناهم ممتعين بما لهم في الدنيا. إِلى حِينٍ إلى أجلهم المسمى ومنتهى أعمارهم.
المناسبة:
هذه هي القصة السادسة والأخيرة في هذه السورة، وإنما جعلت خاتمة
للقصص، لأن يونس عليه السلام لما لم يصبر على أذى قومه، وأبق إلى الفلك، وقع في تلك الشدائد، وفي هذا عبرة ودرس وتعليم للنبي ص ليصبر على أذى قومه.
جاء في الصحيحين عن رسول الله ص أنه قال: «ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى»
ونسبه إلى أمه،
وفي رواية: إلى أبيه.
التفسير والبيان:
ذكر الله يونس في القرآن باسمه أربع مرات، وذكره بوصفه مرتين، في سورة الأنبياء: وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً [87] وفي سورة القلم:
وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ، إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ [48] .
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
إن يونس بن متى وهو ذو النون أحد الأنبياء المرسلين إلى قومه أهل نينوى بالموصل. قال المفسرون: كان يونس قد وعد قومه العذاب، فلما تأخر عنهم العذاب، خرج عنهم وقصد البحر، وركب السفينة، فكان كالفارّ من مولاه، فوصف بالإباق.
إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ، فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
أي اذكر حين هرب من قومه مغاضبا قومه إلى السفينة المملوءة بغير إذن ربه، فقارع أهل السفينة، فكان من المغلوبين في القرعة التي اقترعوها ليلقوا بعضهم في البحر، خوفا من غرق السفينة الثقيلة الحمولة، فألقوه في البحر بعد أن وقعت القرعة عليه ثلاث مرات.
وأصل الإباق: هرب العبد من السيد، لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه، وصف به.
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فابتلعه الحوت، وهو مليم نفسه على ما فرط
منها أو هو آت ما يلام عليه، من ترك قومه بغير إذن ربه، وكان عليه أن يصبر على أذى قومه. والخروج بغير إذن الله كبيرة على الأنبياء، لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين.