التأبِّي على الرسالات تأبٍّ على أن يكون المؤمن الذي يُكلَّف بتكليفات تِبَعاً لرأي غيره وطَوْع أمره، والرسول ما جاء إلا ليقول لنا افعل كذا ولا تفعل كذا، وبعض الناس يرى في هذه الطاعة خَدْشاً لكرامته وعزته، فهو يريد أنْ يكون الأعلى الذي لا يأمره أحد ولا ينهاه، وهؤلاء الذين تتحدث عنهم الآية يريدون أن تكون لهم العِزَّة في نفوسهم. والحق - سبحانه وتعالى - هنا يُصحِّح لهم معنى العزة ويُبيِّن غباءهم، فيقول سبحانه {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ} فاطر 10 أي العزة الحقيقية لا المدَّعاة {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} فاطر 10 فالعزة الحقيقية ألاَّ تكون مغلوباً ولا مقهوراً لأحد، وهذه العزة لا وجودَ لها إلا في رحاب الله، فمهما بلغ الإنسانُ في الدنيا من القوة والجبروت لا بُدَّ أنْ يُغلب، ولا بُدَّ أنْ يقهره الموت، فإنْ كنتَ مغرماً بعزة لا تزول، فهي من جنب الله. لذلك فالله تعالى يُعلِّمنا الحكمة، فيقول
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ}
الفرقان 58 يعني أنا أعلم بك وأعلم بضعفك، وأنك في حاجة إلى مَنْ تتوكل عليه ليقضي لك الأمور التي فوق طاقتك، فإياك أنْ تلجأ إلى غيري، فأنا الباقي الذي لا يموت، فإنْ توكلْتَ على ضعيف مثلك، فربما مات قبل أنْ يقضى لك حاجتك، كذلك مَنْ أراد العزة فليكُنْ في حضن الله يعتزُّ بِعزَّته، ويتقوَّى بقوته، ومَنْ كان في حضن الله يخلع الله عليه من صفاته ويفيض عليه. لذلك سيدنا رسول الله يعطينا هذا الدرس،"وهو في الغار، ومعه الصِّدِّيق - رضي الله عنه - فيقول الصِّديق يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فيقول سيدنا رسول الله وهو واثق بربه"يا أبا بكر ما بالك باثنين الله ثالثهما"وحكى عنه القرآن قوله"
{لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}
التوبة 40. فهذه الطمأنينة التي ملأتْ قلب رسول الله منشؤها معية الله له ولصاحبه، وهذه المعية تقتضي أنْ يخلع الله عليهما من صفاته سبحانه، فإذا كان تعالى لا يُرى، فمَنْ كان في معيته كذلك لا يُرى. ومعنى {الْعِزَّةُ جَمِيعاً} فاطر 10 يعني كل ألوان العزة، وهذه المسألة من المسائل التي تكلَّم فيها المستشرقون، يلتمسون فيها مأخذاً على كلام الله، يقولون إن الله يقول {فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً} فاطر 10 وفي آية أخرى
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}