الشورى 33 والمراد السفن التي تُسيِّرها الرياح، فإنْ قُلْتَ فهل يظل لهذه الآية هذا المعنى بعد التطور الذي طرأ على السفن، وبعد أن تلاشتْ القلاع وحَلَّ محلها الآلات التي تُسيِّر السفن دون حاجة إلى حركة الهواء؟ نقول نعم ستظل الآية تحمل هذا المعنى إلى ما شاء الله لأن الاختراعات الحديثة لم تفاجئ خالقها عز وجل، ومَنْ قال إن الريح هو الهواء؟ الريح هو القوة أياً كانت، واقرأ قوله تعالى
{وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}
الأنفال 46 يعني قوتكم أيّاً كانت قوة هواء، أو قوة كهرباء، أو قوة بخار ومحركات .. الخ. ونلحظ في أسلوب هذه الآية أن الفعل {أَرْسَلَ} فاطر 9 جاء في صيغة الماضي، لكن تثير في صيغة المضارع، ولم يقل سبحانه فأثارت سحاباً، قال أرسل يعني أمر أنْ ترسل، فهذه مسألة انتهت وفُرغ منها، أما إثارة السحاب وتحريكه فمسألة مُتجدِّدة مستمرة في كل لحظة، فناسبها المضارع الدال على الحال والاستقبال. أو أن المعنى {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً} فاطر 9 جاء في الماضي لأن الكلام عن الغيب، والاسم الظاهر غيب وهو لفظ الجلالة، ثم انتقل من الغيب في {أَرْسَلَ الرِّيَاحَ} فاطر 9 إلى مقام المتكلم، فقال {فَسُقْنَاهُ} فاطر 9 كأن الله يلفتك بالنعمة إلى غيب هو الله تعالى، فحين تستحضر أنه الله الذي فعل أصبحْتَ أهلاً لمكالمة الله لك.
ومثال ذلك ما قُلْنا في سورة الفاتحة
{بِسمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}
الفاتحة 1 - 4 هذا كله غيب إلى
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}
الفاتحة 5. ولم يقُلْ إياه نعبد لينقلك من الغيب إلى الخطاب المباشر معه سبحانه لأنك أصبحتَ أهلاً لأنْ تخاطبه ويخاطبك بعد أن آمنتَ بالحيثيات الأولى في
{الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ}