وأنت رؤوف بالعباد مهيمن ... حليم كريم واسع العفو راحم
يا أخي كم من يوم قطعته بالتسويف؟ وكم من سبب أضعت فيه التكليف، وكم أذن سمّاعة لا يزجرها التخويف؟.
(موعظة)
يَا مَنْ يَرْجُو الثَّوَابَ بِغَيْرِ عَمَلٍ, وَيُرْجِئُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ, أَتَقُولُ فِي الدُّنْيَا قَوْلَ الزَّاهِدِينَ وَتَعْمَلُ فِيهَا عَمَلَ الرَّاغِبِينَ, لا بِقَلِيلٍ مِنْهَا تَقْنَعُ, وَلا بِكَثِيرٍ مِنْهَا تَشْبَعُ, تَكْرَهُ الْمَوْتَ لأَجْلِ ذُنُوبِكَ وَتُقِيمُ عَلَى مَا تَكْرَهُ الْمَوْتَ لَهُ تَغْلِبُكَ نَفْسُكَ عَلَى مَا تَظُنُّ وَلا تَغْلِبُهَا عَلَى مَا تَسْتَيْقِنُ, لا تَثِقُ مِنَ الرِّزْقِ بِمَا ضُمِنَ لَكَ وَلا تَعْمَلُ مِنَ الْعَمَلِ مَا فُرِضَ عَلَيْكَ, تَسْتَكْثِرُ مِنْ مَعْصِيَةِ غَيْرِكَ مَا تُحَقِّرُهُ مِنْ نَفْسِكَ.
أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ الدُّنْيَا كَالْحَيَّةِ, لَيِّنٌ لَمْسُهَا وَالسُّمُّ النَّاقِعُ فِي جَوْفِهَا, يَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ الْجَاهِلُ وَيَحْذَرُهَا ذُو اللُّبِّ الْعَاقِلُ, كَيْفَ تَقَرُّ بِالدُّنْيَا عَيْنُ مَنْ عرفها, وما أبعد أن يفطم عنها من أَلِفَهَا:
(حَقِيقٌ بِالتَّوَاضُعِ مَنْ يَمُوتُ ... وَحَسْبُ الْمَرْءِ مِنْ دُنْيَاهُ قُوتُ)
(فَمَا لِلْمَرْءِ يُصْبِحُ ذَا اهْتِمَامٍ ... وَحُزْنٍ لا تَقُومُ بِهِ النُّعُوتُ)
(فَيَا هَذَا سَتَرْحَلُ عَنْ قَرِيبٍ ... إِلَى قَوْمٍ كَلامُهُمُ السكوت)
انتهى انتهى {جامع المواعظ والرقائق، لابن الجوزي} ...