{أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً} هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر التفاوت بين الفريقين ، و"من"في موضع رفع بالابتداء ، وخبره محذوف.
قال الكسائي: والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات.
قال: ويدلّ عليه قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات} قال: وهذا كلام عربيّ ظريف لا يعرفه إلاّ القليل.
وقال الزجاج: تقديره كمن هداه ، وقدّره غيرهما كمن لم يزين له ، وهذا أولى لموافقته لفظاً ، ومعنى ، وقد وهم صاحب الكشاف ، فحكى عن الزجاج ما قاله الكسائي.
قال النحاس: والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره من الدلالة على المحذوف ، والمعنى: أن الله عزّ وجلّ نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن شدّة الاغتمام بهم ، والحزن عليهم كما قال: {فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ} [الكهف: 6] وجملة {فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء} مقرّرة لما قبلها ، أي: يضلّ من يشاء أن يضله ، ويهدي من يشاء أن يهديه {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات} قرأ الجمهور بفتح الفوقية ، والهاء مسنداً إلى النفس ، فتكون من باب: لا أرينّك ها هنا.
وقرأ أبو جعفر ، وشيبة ، وابن محيصن ، والأشهب بضم التاء ، وكسر الهاء ، ونصب {نفسك} ، وانتصاب {حسرات} على أنه علة ، أي: للحسرات ، ويجوز: أن ينتصب على الحال كأنها صارت كلها حسرات لفرط التحسر كما روي عن سيبويه.
وقال المبرد: إنها تمييز.
والحسرة شدّة الحزن على ما فات من الأمر {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} لا يخفى عليه من أفعالهم وأقوالهم خافية ، والجملة تعليل لما قبلها مع ما تضمنته من الوعيد الشديد.