قلت: أما الأول: فلأنهن يشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب ما لا يشاهده غيرهن، ولأن في معصيتهن أذى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذنب من آذى رسول الله أعظم من ذنب غيره، وأما الثاني: فلأنهن أشرف من سائر النساء؛ لقربهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فكانت الطاعة منهن أشرف، كما أن المعصية منهن أقبح. اهـ"فتح الرحمن".
وقيل: معنى {نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} ؛ أي: مرة على الطاعة والتقوى لله سبحانه، وأخرى على طلبهن رضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقناعة وحسن المعاشرة.
{إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ... (35) }
قال في"فتح الرحمن": قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
فإن قلت: لِمَ عطف أحدهما على الآخر، مع أنهما متحدان شرعًا؟
قلت: ليسا بمتحدين مطلقًا، بل هما متحدان ما صدقًا لا مفهومًا أخذًا من الفرق بين الإِسلام والإيمان الشرعيين؛ إذ الإِسلام الشرعي: هو التلفظ بالشهادتين بشرط تصديق القلب بما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والإيمان الشرعي: عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف اختلافهما مفهومًا، وإن اتحدا ما صدقًا. انتهى.
{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40) }
فإن قلتَ: كيف صح نفي الأبوة عنه، وكان أبًا للطيب والطاهر والقاسم وإبراهيم؟
قلت: قد قيد النفي بقوله: {مِنْ رِجَالِكُمْ} ؛ لأن إضافة الرجال إلى المخاطبين تخرج أبناءه؛ لأنهم رجاله لا رجالهم، ولأن المفهوم منهم بقرينة المقام الرجال البالغون، وأبناؤه ليسوا كذلك، إذ لو كان له ابن بالغ، لكان نبيًا، فلا يكون هو خاتم النبيين.
فإن قلت: كيف قال تعالى: {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} ، وعيسى عليه السلام ينزل بعده وهو نبي؟
قلتُ: معنى كونه خاتم النبيين: أنه لا ينبَّأ أحد بعده، وعيسى نبي قبله، وحين ينزل كان عاملًا بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - .
{وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) }