ثم لما نفى تعالى أبوته عنهم قال: {وَلَكِن} كان في علم الله غيباً وشهادة {رَسُولَ اللَّهِ} أي: الملك الأعظم الذي كل من سواه عبده {وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} أي: آخرهم الذي ختمهم لأن رسالته عامة ومعها إعجاز القرآن فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال، وذلك مفض لئلا يبلغ له ولد إذ لو بلغ له ولد، لاق بمنصبه أن يكون نبياً إكراماً له؛ لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظمهم شرفاً، وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها وأعظم منها، ولو صار أحد من ولده رجلاً لكان نبياً بعد ظهور نبوته، وقد قضى الله تعالى أن لا يكون بعده نبي إكراماً له.
روى أحمد وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم عليه السلام:"لو عاش لكان صديقاً نبياً"وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب. وللبخاري من حديث ابن أبي أوفى: «لو قضي أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده»
وقال ابن عباس رضي الله عنه: يريد لو لم أختم به النبيين لجعلت له ابناً يكون من بعده نبياً.
وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنه: لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولداً ذكراً يصير رجلاً.
وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وأهدى لهم، إذ هو كالوالد لولد ليس له غيره، والحاصل أنه لا يأتي بعده نبي مطلقاً بشرع جديد ولا يتجدد بعده مطلقاً استنباء، وهذه الآية مثبتة لكونه خاتماً على أبلغ وجه وأعظمه، وذلك أنها في سياق الإنكار بأن يكون بينه وبين أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية، ولو كانت بعده لأحد لم يكن ذلك إلا لولده، ولأن فائدة إثبات النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله.
وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام، فلم يبق بعد ذلك مرام: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»