فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ طوفان الماء، والطوفان في الأصل: اسم لما طاف بكثرة من سيل أو ظلام أو موت أو غيرها. وَهُمْ ظالِمُونَ بالكفر. فَأَنْجَيْناهُ أي نوحا. وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ أي الذين أركبهم معه من أولاده وأتباعه المؤمنين، وكانوا ثمانين، أو ثمانية وسبعين، نصفهم ذكور ونصفهم إناث. آيَةً عبرة. لِلْعالَمِينَ لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسله، يتعظون ويستدلون بها.
المناسبة:
بعد بيان التكليف وأقسام المكلفين ووعد المؤمن الصادق بالثواب العظيم، ووعيد الكافر والمنافق بالعذاب الأليم، ذكر الله تعالى قصة أطول الأنبياء عمرا نوح عليه السلام الذي دعا قومه إلى توحيد الله ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يؤمن معه إلا قليل.
ثم أتبع ذلك بذكر قصص أنبياء آخرين: إبراهيم، ولوط وهود وشعيب وصالح، لبيان عاقبة الله في المكذبين من المكلفين، وتسلية لرسول الله صلّى الله عليه وسلم وتثبيته على ما يكابده من أذى الكفرة، وعبرة لمن يعتبر، وتأكيدا لما في بداية السورة الكريمة من أن الابتلاء سنة الحياة.
التفسير والبيان:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً أي تالله لقد أرسلنا نوحا عليه السلام، وهو أول نبي أرسل، إلى قومه الذين كانوا كفارا، لا يؤمنون بالله، وإنما يعبدون الأصنام، فاستمر مقيما معهم ألف سنة إلا خمسين عاما، يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، والإيمان بيوم القيامة، فلم يؤمنوا بدعوته، وكذبوه، وما آمن معه منهم إلا قليل: قالَ: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً [نوح 71/ 5 - 6] قالَ نُوحٌ: رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَساراً [نوح 71/ 21] .
فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ، وَهُمْ ظالِمُونَ أي بعد هذه المدة الطويلة، لم يفدهم البلاغ والإنذار، فأغرقهم الله بالطوفان، وهم ظالمون أنفسهم بالكفر، فأنت يا محمد لا تأسف على من كفر بك من قومك، ولا تحزن عليهم، فإن الأمر بيد الله تعالى، وإليه ترجع الأمور.