يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ {وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} مِنَ الْأَعْمَالِ، وَذَلِكَ أَنْ يُؤَدُّوا فَرَائِضَ اللَّهِ، وَيَجْتَنِبُوا مَحَارِمَهُ {لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ} فِي مَدْخَلِ الصَّالِحِينَ، وَذَلِكَ الْجَنَّةُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: أَقْرَرْنَا بِاللَّهِ فَوَحَّدْنَاهُ، فَإِذَا آذَاهُ الْمُشْرِكُونَ فِي إِقْرَارِهِ بِاللَّهِ، جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا، كَعَذَابِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، فَارْتَدَّ عَنْ إِيمَانِهِ بِاللَّهِ، رَاجِعًا عَلَى الْكُفْرِ بِهِ {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ} يَا مُحَمَّدُ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ {لَيَقُولُنَّ} هَؤُلَاءِ الْمُرْتَدُّونَ عَنْ إِيمَانِهِمْ، الْجَاعِلُونَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ: {إِنَّا كُنَّا} أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ {مَعَكُمْ} نَنْصُرُكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، كَذِبًا وَإِفْكًا. يَقُولُ اللَّهُ: {أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ} أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ {بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} جَمِيعِ خَلْقِهِ الْقَائِلِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ ارْتَدَّ عَنْ دَيْنِ اللَّهِ فَكَيْفَ يُخَادِعُ مَنْ كَانَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَلَا يَسْتَتِرُ عَنْهُ سِرٌّ وَلَا عَلَانِيَةٌ.
[قَالَ] الضَّحَّاكُ:"نَزَلَتْ فِي نَاسٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِمَكَّةَ كَانُوا يُؤْمِنُونَ، فَإِذَا أُوذُوا وَأَصَابَهُمْ بَلَاءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، رَجَعُوا إِلَى الْكُفْرِ مَخَافَةَ مَنْ يُؤْذِيهِمْ، وَجَعَلُوا أَذَى النَّاسِ فِي الدُّنْيَا كَعَذَابِ اللَّهِ"
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ كَانُوا بِمَكَّةَ، فَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ، فَأُدْرِكُوا وَأُخِذُوا فَأَعْطَوُا الْمُشْرِكِينَ لَمَّا نَالَهُمْ أَذَاهُمْ مَا أَرَادُوا مِنْهُمْ.