لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جهر بالدعوة آمن به الذين يعرفونه عن قُرْب دون أنْ يسألوه عن معجزة تؤيده ، بل بمجرد أنْ قال أنا رسول الله آمنوا به وصدَّقوه واتبعوه .
فسيدنا أبو بكر ، هل سمع من رسول الله قبل أن يؤمن به؟ لا ، إنما بمجرد أن قالوا له: إن صاحبك تنبأ قال: آمنت به ، لماذا؟ لأنه يعرف له سوابق يبني عليها إيمانه بصاحبه ، فما كان محمد ليكون صاحب خُلق عظيم مع الناس ، ثم يكذب على الله .
إذن: ففي كَوْن الرسول من قومه إيناسٌ للخَلْق ؛ لذلك لما قالوا: لا نؤمن إلا إذا جاءنا الرسول ملكاً ردَّ عليهم: أأنتم ملائكة حتى ينزل عليكم مَلَك؟
{قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً} [الإسراء: 95] .
ولو فُرض أننا أرسلناه مَلَكاً أهم يروْن الملائكة؟ لا يروْنَها ، فكيف إذن يُبلِّغ الملَك الناس؟ لا بُدَّ أنْ يأتيهم في صورة بشر ، ولو أتاهم في صورة بشر لقالوا نريد ملَكاً .
وقوله عز وجل: {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً ...} [العنكبوت: 14] هذا العدد من الممكن أن يؤدى لمعانٍ كثيرة ، فلم يقُلْ: فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاماً .
وفي الأعداد في القرآن أسرار كثيرة ، واقرأ مثلاً: {وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ...} [الأعراف: 142] .
وفي آية سورة البقرة قال الحق سبحانه: {وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ...} [البقرة: 51] .
ففي سورة البقرة إجمال ، وفي آية الأعراف تفصيل . والحكمة في هذا أن موسى عليه السلام ما إن ذهب لميقات ربه حتى عبد قومه العجل في مدة الثلاثين ليلة .