وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون ما ذكر الله عز وجل مدة إقامته عليه السلام من لدن مولده إلى غرق قومه ، وقيل: يحتمل أن يكون ذلك جميع عمره عليه السلام ، ولا يخفى أن المتبادر من الفاء التعقيبية ما تقدم ، وجاء في بعض الآثار أنه عليه السلام أطول الأنبياء عليهم السلام عمراً ، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا عن أنس بن مالك قال: جاء ملك الموت إلى نوح عليهما السلام فقال: يا أطول النبيين عمراً كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتاً له بابان فقال وسط الباب هنيهة ثم خرج من الباب الآخر ، ولعل ما عليه النظم الكريم في بيان مدة لبثه عليه السلام للدلالة على كمال العدد وكونه متعيناً نصاً دون تجوز فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة لأنها أول ما تقرع السمع فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتثبيته على ما كان عليه من مكابدة ما يناله من الكفرة وإظهار ركاكة رأي الذين يحسبون أنهم يتركون بلا ابتلاء ، واختلاف المميزين لما في التكرير في مثل هذا الكلام من البشاعة ، والنكتة في اختيار السنة أولاً أنها تطلق على الشدة والجدب بخلاف العام فناسب اختيار السنة لزمان الدعوة الذي قاسى عليه السلام فيه ما قاسي من قومه {فَأَخَذَهُمُ الطوفان} أي عقيب تمام المدة المذكورة ، والطوفان قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام قال العجاج:
حتى إذا ما يومها تصبصبا...
وغم طوفان الظلام إلا ثأبا
وقد غلب على طوفان الماء وهو المراد هنا {وَهُمْ ظالمون} أي والحال هم مستمرون على الظلم لم يتأثروا بما سمعوا من نوح عليه السلام من الآيات ولم يرعووا عما هم عليه من الكفر والمعاصي هذه المدة المتمادية.