فليطمئن المؤمنون العاملون على ما لهُم عند الله ، من تكفير للسيئات ، وجزاء على الحسنات. وليصبروا على تكاليف الجهاد ؛ وليثبتوا على الفتنة والابتلاء ؛ فالأمل المشرق والجزاء الطيب ، ينتظرانهم في نهاية المطاف. وإنه لحسب المؤمن حتى لو فاته في الحياة الانتصاف.
ثم يجيء إلى لون من ألوان الفتنة أشرنا إليه في مطلع السورة: فتنة الأهل والأحباء. فيفصل في الموقف الدقيق بالقول الحازم الوسط ، لا إفراط فيه ولا تفريط:
{ووصينا الإنسان بوالديه حسناً. وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ، إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} ..
إن الوالدين لأقرب الأقرباء. وإن لهما لفضلاً ، وإن لهما لرحما ؛ وإن لهما لواجباً مفروضاً: واجب الحب والكرامة والاحترام والكفالة. ولكن ليس لهما من طاعة في حق الله. وهذا هو الصراط: {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً. وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} ..
إن الصلة في الله هي الصلة الأولى ، والرابطة في الله هي العروة الوثقى. فإن كان الوالدان مشركين فلهما الإحسان والرعاية ، لا الطاعة ولا الاتباع. وإن هي إلا الحياة الدنيا ثم يعود الجميع إلى الله.
{إليَّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} ..
ويفصل ما بين المؤمنين والمشركين. فإذا المؤمنون أهل ورفاق ، ولو لم يعقد بينهم نسب ولا صهر:
{والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين} ..
وهكذا يعود الموصولون بالله جماعة واحدة ، كما هم في الحقيقة ؛ وتذهب روابط الدم والقرابة والنسب والصهر ، وتنتهي بانتهاء الحياة الدنيا ، فهي روابط عارضة لا أصيلة ، لانقطاعها عن العروة الوثقى التي لا انفصام لها.