ثُمَّ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ مِنْهُ زَادُوا عَلَيْهِ، وَقَالُوا إِنَّكَ ذَكَرْتَ لُوطًا وَحْدَهُ وَنَحْنُ نُنْجِيهِ وَنُنْجِي مَعَهُ أَهْلَهُ، ثُمَّ اسْتَثْنَوْا من الأهل امرأته، وقالوا: (إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) أَيْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لَا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ(33)
وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ: إِحْدَاهَا: أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ مِنْ قَبْلُ: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ) [العنكبوت: 31] وقال هاهنا: (وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا) فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟
فَنَقُولُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَهِيَ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي وقت المجيء هناك قول الملائكة (إِنَّا مُهْلِكُوا) وَهُوَ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِلًا بِمَجِيئِهِمْ لِأَنَّهُمْ بَشَّرُوا أَوَّلًا وَلَبِثُوا، ثُمَّ قَالُوا: (إِنَّا مُهْلِكُوا) وَأَيْضًا فَالتَّأَنِّي وَاللُّبْثُ بَعْدَ الْمَجِيءِ ثُمَّ الْإِخْبَارُ بِالْإِهْلَاكِ حَسَنٌ فَإِنَّ مَنْ جَاءَ وَمَعَهُ خَبَرٌ هَائِلٌ يحسن منه أن لا يفاجئ به، والواقع هاهنا هُوَ خَوْفُ لُوطٍ عَلَيْهِمْ، وَالْمُؤْمِنُ حِينَ مَا يَشْعُرُ بِمَضَرَّةٍ تَصِلُ بَرِيئًا مِنَ الْجِنَايَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْزَنَ وَيَخَافَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ، إذا علم هذا فقوله هاهنا: (وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا) يُفِيدُ الِاتِّصَالَ يَعْنِي خَافَ حِينَ الْمَجِيءِ، فَإِنْ قُلْتَ هَذَا بَاطِلٌ بِمَا أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ جَاءَتْ فِي سُورَةِ هُودٍ [77] ، وَقَالَ: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا) مِنْ غَيْرِ (أَنْ) فَنَقُولُ هُنَاكَ جَاءَتْ حِكَايَةُ إِبْرَاهِيمَ بِصِيغَةٍ أُخْرَى حَيْثُ قَالَ هُنَاكَ: (وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى) [هود: 69] فَقَوْلُهُ هُنَالِكَ: (وَلَقَدْ جاءَتْ) لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ: (إِنَّا أُرْسِلْنا) كَانَ فِي وَقْتِ الْمَجِيءِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ) دَلَّ عَلَى أَنَّ حُزْنَهُ كَانَ وَقْتَ الْمَجِيءِ.