أنزل الله جل جلاله القرآن هادياً للناس ومرشداً لهم، ووضع لهم فيه المنهج الأقوم، والمنهاج الأحكم، فكان كما وصفه في ملازمته لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) {النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ} ، وتتضمن سور القرآن الكريم دلالات متعددة على التوحيد الإلهي الذي هو ذات (المعرفة الإلهية) ، ولذلك كانت سورة الإخلاص تعدل
(ثلث القرآن) .
ولعل من السور التي تضمنت جوانب متعددة من دلالة التوحيد سورة القصص (المكية) ، التي وصفها بعض الباحثين، فقال:"إن سورة القصص قد احتوت في ذاتها على جوانب تشريعية في باطن النص، وفي نفس الوقت فقد احتوت على جوانب توحيدية في ظاهر النص بما لا يدع مجالاً للشك في أن سورة القصص تضمنت في مجملها روحاً إيمانياً يفيض على المؤمنين بوداعة وسكينة".
وتلك هي ميزة النص في سورة القصص كونه يحتوي على أسلوب خطاب يقرر حقيقة التوحيد بأسلوب غير مباشر، كما في قوله تعالى فيها: {فَرَدَدْنَاهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} ، فمفهوم النص في هذه الآيات له ظاهر وباطن معنوي، فأما المفهوم الظاهر، فهو إن الله عز وجل هو الذي يصرف الكون ويقدر تصرفه فيه وما يجري فيه، أما المفهوم الداخلي الإشاري، فيقرر حقيقة توحيدية أخرى، هي (أن إرجاع موسى(- عليه السلام -) إلى أمه كان لقدير إلهي ليكون فرعون وقومه الذين التقطوه في خانة المحاجة بكفرهم، وهو رسول الله تعالى لهم، ونحن نجد في سورة القصص أن آيات دلالة التوحيد ذات مبنى ومعنى صيغا بأسلوب يقرر حقيقة التوحيد حتى لدى أولئك الذين لا يؤمنون بالله جل جلاله، مثل قوله تعالى فيها: {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقّ} في بيان الوعد الإلهي، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} في المشيئة الكلية، {وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} (( 6)