قال ابن عطية: (إذْ قَالَ) متعلق ببغى عليهم، أي: بغى على قومه إذ قالوا له: لا تفرح ورجح بعض المفسرين تعلقه بمحذوف يقتضيه المقام، أي: فأظهر قارون الفرح بكنوزه إذ قال له الأتقياءُ من قومه: لا تفرح بها إن الله لا يحب الفرحين، وقد نهوه عن فرحه الذي أورثه البغي، ومنعه حق الله تعالى، فهذا هو الذي يُنْهى عنه، أما الفرح سرور بنعمة الله ورضا عنها مع أداء حقها المشروع فلا ينهى عنه؛ لأنه نوع من الشكر على النعم الذي حضَّن عليه الشرع، كما قال - تعالى: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} . والمراد من عدم محبة الله للفرحين البطرين: بغضه لهم، إبعادهم عن حضرته وعن كرمه.
والمعنى العام للآية: إن قارون كان من بني إسرائيل قوم موسى، فظلمهم وتكبر عليهم بما أُوتيه من علم وجاه ومال، وأعطيناه من الأموال التي كنزها وحبسها عن مَبَرَّات الآخرة - أَعطيناه - ما إن خزائنه لتثقل الجماعة القوية من الدواب التي تحملها، أو من الرجال القائمين على حفظها وحسابها وتدبير أمرها، فأظهر قارون الفرح والتفاخر بكنوزه، إذ قال له أتقياءُ قومه: لا تفرج بها فرح البطر والكفران، إن الله لا يحب الفرحين البطرين الذين يكفرون ولا يشكرون، بل يبغضهم وينتقم منهم.
77 - {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} :
واطلب فيما أعطاك الله من الكنوز والأموال ثوابا في الدار الآخرة بِصَرْفها في مصارف البر والتقوى، ولا تترك حظك من الدنيا ترك المنسى، فخذ من زينتها وطيباتها ورزقها ما تتجمل به ويعينك على تقوى الله - تعالى - ويقيك شر الحاجة، وأحسن إلى عباد الله - تعالى - كما أحسن الله إليك تأسي بصنيعه معك، أو: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن الله إليك بالنعم، ولا تطلب بهذه الكنوز الفساد في الأرض والبغي على العباد إن الله لا يحب المفسدين، بل ببغضهم وينتقم منهم.