وأما سليمان ففي هذه السورة تفصيل ما علمه الله من منطق الطير وما إليه؛ بالإضافة إلى ما ذكر في سور أخرى من تعليمه القضاء، وتوجيه الرياح المسخرة له بأمر الله.
تبدأ القصة بتلك الإشارة: {ولقد آتينا داود وسليمان علماً} وقبل أن تنتهي الآية يجيء شكر داود وسليمان على هذه النعمة، وإعلان قيمتها وقدرها العظيم، والحمد لله الذي فضلهما بها على كثير من عباده المؤمنين.
فتبرز قيمة العلم، وعظمة المنة به من الله على العباد، وتفضيل من يؤتاه على كثير من عباد الله المؤمنين.
ولا يذكر هنا نوع العلم وموضوعه لأن جنس العلم هو المقصود بالإبراز والإظهار. وللإيحاء بأن العلم كله هبة من الله، وبأن اللائق بكل ذي علم أن يعرف مصدره، وأن يتوجه إلى الله بالحمد عليه، وأن ينفقه فيما يرضي الله الذي أنعم به وأعطاه. فلا يكون العلم مبعداً لصاحبه عن الله، ولا منسياً له إياه. وهو بعض مننه وعطاياه.
والعلم الذي يبعد القلب عن ربه علم فاسد، زائغ عن مصدره، وعن هدفه. لا يثمر سعادة لصاحبه ولا للناس، إنما يثمر الشقاء والخوف والقلق والدمار، لأنه انقطع عن مصدره، وانحرف عن وجهته، وضل طريقه إلى الله ..
ولقد انتهت البشرية اليوم إلى مرحلة جيدة من مراحل العلم، بتحطيم الذرة واستخدامها. ولكن ماذا جنت البشرية حتى اليوم من مثل هذا العلم الذي لا يذكر أصحابه الله، ولا يخشونه، ولا يحمدون له، ولا يتوجهون بعلمهم إليه؟ ماذا جنت غير الضحايا الوحشية في قنبلتي"هيروشيما"و"ناجازاكي". وغير الخوف والقلق الذي يؤرق جفون الشرق والغرب ويتهددهما بالتحطيم والدمار والفناء؟
وبعد تلك الإشارة إلى الإنعام بمنة العلم على داود وسليمان، وحمدهما الله ربهما على منته وعرفانهما بقدرها وقيمتها يفرد سليمان بالحديث:
وورث سليمان داود. وقال: يا أيها الناس علمنا منطق الطير، وأوتينا من كل شيء.
إن هذا لهو الفضل المبين ..