ثم قال: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ(35) ذكر أنها قالت: إن لي في هذا رأيا، فإن يك صاحب دنيا فعسى أن نرضيه بالمال فيسكت عنا ويكف شره، وإن يكن نبيا فلا يقبل ذلك منا وسنعرف، فعملت ذلك وأرسلت إليه بهدايا، فلم يقبلها سليمان فعرفت أنه نبي، وهذا كان منها تدبيرًا أو حسن الرأي في الأمر واحتيالا وفقت في ذلك، لم تشتغل بالحرب والقتال على ما أشار لها قومها.
وقال ابن عَبَّاسٍ:"قالت بلقيس لما أتاها كتاب سليمان، واستشارت قومها في ذلك وطلبت فتياهم، فأفتوا لها بما أفتوا - قالت: أبعث إليه بهدية، فإن قبلها فهو ملك فأحاربه، وإن لم يقبلها فهو نبي أتابعه".
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: (فَنَاظِرَةٌ) يقال: أنظرته نظرة، أي: أمهلته، والنظرة في الدَّين خاصة وهو الإنظار.
وقوله: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ) : الرسول الذي بعثت معه بلقيس الهدية.
ويحتمل: (فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ) المال الذي بعثت إليه؛ يحتمل ذا أو ذا.
وقوله: (قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) . أي: أتعطونني بمال، وقال أهل الأدب: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) من المدد، والمدد الزيادة كما يمد القوم، ويكون الإعطاء كقوله: (وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) ، ويحتمل هذه الزيادة، واللَّه أعلم.
وقوله: (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) . أي: ما آتاني اللَّه من النبوة والعلم والحكمة خير مما آتاكم من الأموال.
ويحتمل: (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ) فأوتيكم إذا أتيتموني مسلمين (خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) ؛ إذ لم تؤتوني وأوتيتم الإسلام، أو كلام نحو هذا.
وقال بعض أهل التأويل: فما آتاني اللَّه من الملك خير مما آتاكم من الملك؛ لأنه سخر له الجن والإنس والشياطين والطيور والرياح وجميع الأشياء، فذلك خير له وأعظم من ملكها.