والإنس وفعل ذلك امتحاناً لها أيضاً على ما قيل ، وقيل: ليزيدها استعظاماً لأمره وتحقيقاً لنبوته وثباتاً على الدين ، وقيل لأن الجن قالوا له عليه السلام إنها شعراء السابقين ورجلها كحافر الحمار فأراد الكشف عن حقيقة الحال بذلك ، وقال الشيخ الأكبر قدس سره ما حاصله إنه أراد أن ينبهها بالفعل على أنها صدقت في قولها في العرش {كَأَنَّهُ هُوَ} [النمل: 42] حيث أنه انعدم في سبأ ووجد مثله بين يديه فجعل لها صرحاً في غاية اللطف والصافي كأنه ماء صاف وليس به ، وهذا غاية الإنصاف منه عليه السلام ولا أظن الأمر كما قال والله تعالى أعلم.
واستدل بالآية على القول بأن أمرها بدخول الصرح ليتوصل به إلى كشف حقيقة الحال على إباحة النظر قبل الخطبة وفيه تفصيل مذكور في كتب الفقه.
{فَلَمَّا رَأَتْهُ} أي رأت صحته بناء على أن الصرح بمعنى القصر {حَسِبَتْهُ لُجَّةً} أي ظننته ماء كثيراً {وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا} لئلا تبتل أذيالها كما هو عادة من يريد الخوض في الماء ، وقرأ ابن كثير برواية قنبل {سَاقَيْهَا} بهمز ألف ساق حملاً له على جمعه سؤق وأسؤق فإنه يطرد في الواو المضمومة هي أو ما قبلها قلبها همزة فأنجر ذلك بالتبعية إلى المفرد الذي في ضمنه.
وفي البحر حكى أبو علي أن أباحية النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة وأنشد:
أحب المؤقدين إلى مؤسى...
وفي الكشف الظاهر أن الهمز لغة في ساق ويشهد له هذه القراءة الثابتة في السبعة.
وتعقب بأنه يأباه الاستقاق.